قِدر مفرد قدور وليس مفرد أقدار، رغم ان القارىء سيأكله الشوق ليعرف مع نهاية هذه القصة قدر عمشا بعد ان اختفى قِدرها بلحمته وكامل كشنته من المطبخ دون أي تفسير منطقي. كادت عمشا تموت من الغيظ، ليس لأن قدرها اختفى من المطبخ وخسرت اللحمة وأدى الى مشكلة كبيرة مع أطفالها، ولكن لأن اختفاء القدر بتلك الطريقة كان شيئا أقرب الى الخيال منه الى الواقع. أقرب الى فعل الجن منه الى فعل الإنس. عادت عمشا الى المطبخ بعد ان غابت أقل من عشر دقائق لتفاجأ بأن قدرها بمحتوياته غير موجود. التفتت يمينا وشمالا لعلها هي التي سحبته الى هنا أو نقلته الى هناك. ولكنها سرعان ما تخلت عن تكذيب نفسها. فهي متأكدة تماما ان القدر كان قبل قليل على الحطب المشتعل وأنه اختفى بفعل فاعل. بالنسبة للحمة فتفسير اختفائها سهل. فالقطاوة تجوب الرياض ليلا ونهارا وتقتحم البيوت ويمكن ان تخطف أي لحمة لا تتوفر لها الحماية الكافية. أما إذا كان هناك سرقة فالمنطق يقول ان الحرامي الذي يقتحم أي بيت لا يمكن ان يفكر في سرقة قدر مسود ومحلي ومعفط حتى ولو كان في داخله كافيار وليس لحمة بعير عجوز.
وإذا كان الفاعل «حرامي» أنسيا فلماذا سرق القدر وترك أشياءً أهم مثل الغوايش والرشرش وأخرى مثل الأسطوانات والبكم وغيرها من المقتنيات الثمينة. كان زوجها في غاية المنطق عندما طرح عليها هذا السؤال. حدث محير بكل المقاييس لذا فكل انسان سوف يقرأ هذه القصة سيتعاطف دون تردد مع عمشا. فعمشا ليست ضحية سرقة كلاسيكية. انها ضحية حدث لا يمكن تفسيره.
عمشا امرأة حنطية أميل الى السمار طويلة القامة قوية البنية من النوع الذي يسمى «رجالية». إذا «قضبت» الرجل مع جرانه فقل عليه السلام. يكفي مدينة الرياض أن تتذكر قصتها مع الطبيب الهندي الذي رفض ان يعطي ولدها ناصر ابرة وأصر على ان يعطيه حبوبا بيضاء. حاولت معه بالتي هي أحسن وعندما أصر الطبيب على موقفه قالت له دون تردد أو خجل: تعطي ولدي دجنان يا أبن..» من سوء حظ الطبيب الهندي انه كان يعرف معنى الشتيمة التي القت بها عليه، فنهض غاضبا معتدا بنفسه وبرجولته. فكانت مناسبة عظيمة لتفعيل قبضة عمشا الفولاذية. ما ان تحرك تاركا طاولته حتى بادرته بضربة كف دوت أصداؤها في أرجاء مستشفى الشميسي. وضع الطبيب الهندي راحتي يديه على خده المغدور وفركه لتبريد جهنم التي وقعت عليه، وهو يصرخ بلغته البنغالية فردت عليه عمشا على الفور بلغة منفوحة: «أقعد يا ولد..» لم تترك له فرصة العودة من ذهوله ومن الآلام التي أنزلتها على وجهه. حيث اندفعت نحوه وفمها ملىء بكل السباب و«قضبت» جرانه ورفعته قليلا عن الأرض وبعد ان تمكنت منه معلقا في فضاء الرعب ضغطته على الجدار الموالي للطاولة. عندما أحس الهندي ان جسده كله وليس جرانه فقد أصبح في مهب العاصفة تخلى عن دعاوى رجولته وأهمل شؤون كرامته. فميزان القوة الذي مال الى عمشا لم يعد يسمح بمثل هذه الرفاهية العاطفية. فالمسألة حياة وموت.
عندها قرر طلب النجدة، ولكن قبضة عمشا تجاوزت هذه المرحلة التي يتخبط فيها الطبيب الهندي وأدخلته في صراع مع رئتيه اللتين راحتا تطلبان منه ان يزودهما ببعض الأكسجين إذا هو ما زال على رغبته القديمة في الاستمرار في الحياة. انهارت كل قدراته على المقاومة ولم يبق منها إلا مقدار قليل من حركة في يديه تشي بأنه ما زال حيا يستحق الرحمة. وعندما أصبح خرقة في قبضتها بلغت عمشا نهاية غيظها وبردت كبدها فألقت به على الطاولة وسحبت ابنها وهو ما زال يسعل ويكحكح وقبل ان تخرج من العيادة التفتت عليه وقالت: لا عد أشوفك تعطي الناس حبوب دجنان يا ابن الكلب.
لاشك ان التاريخ سيسجل ان عمشا هي أول فرد من أهل العسيلة يدخل في معركة على مستوى دولي، لكن أكبر غلطة ارتكبتها عمشا في سياق بحثها عن القدر. انها أقسمت على الملأ ان تقتل الحرامي إذا وضعت قبضتها على جرانه.
هذا القسم لامرأة «قول وفعل» جعلني أكتم السر في قلبي أكثر من خمس وثلاثين سنة. ولكن بعد هذه السنين الطويلة أصبح من حق التاريخ ان يعرف الحقائق كما جرت. نكمل القصة بعد غد.
فاكس4702164 YARA4U2@HOTMAIL.COM |