يعتمد كثير من مفكرينا في طروحاتهم ومناقشاتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة على نظرية المؤامرة ويجدون في ذلك مجالا واسعاً وخيالاً خصبا في تفسير واقع الأحداث ومستقبلها فتراهم يجنحون إلى المبالغة في تقدير نوايا الغرب تجاه المنطقة العربية وما ينوون القيام به في المستقبل من تغييرات في خريطة العالم العربي، وأقرب مثال على ذلك مايمر به العالم عامة والعالم العربي والإسلامي خاصة من تغيرات في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، يتحدثون عما هو آت بشيء من التشاؤم وتوجس الخطر وكأنك تتابع أحداث فيلم سينمائي لجمس بوند ومناوراته التجسسية، بل ان الكثير منهم يتحدثون في المنتديات ويلقون المحاضرات عن نظرية المؤامرة ويتخذون منها سلما يحلقون فيه بالفضاء ويشرقون ويغربون في كل الاتجاهات الأصلية والفرعية منظرين عما يخططه الغرب للعالم العربي والإسلامي من مؤامرات ويرون في ذلك بعد نظر ومعرفة ببواطن الأمور لايميز كنهها الآخرون. ولو حاولت ان توقفهم قليلا وتذكرهم بما يمكن ان يكون قد غاب عن بالهم من نواح صعبة التحقيق والتصديق لاتهموك بقصر النظر وطيبة القلب وحتى السذاجة. أستمع إلى كثير من مفكرينا في وسائل الإعلام فأسمع العجب بل والتهويل والتخويف بالويل والثبور وعظائم الأمور فهم يرون ان العالم مقدم على هول عظيم وشر مستطير وما أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلا حلقة في سلسلة المخططات الغربية التي أعدت منذ عدة عقود لهدف السيطرة على العالم العربي والإسلامي والاستيلاء على موارده الطبيعية والتحكم في مصائر الشعوب وأسوأ من ذلك تفتيت الدول إلى دويلات صغيرة يسهل التحكم بها وتسييرها في فلكها تابعة لها غير قادرة على حماية نفسها ولا تستغني عن غيرها، والغريب انهم يتحدثون عن ذلك بثقة مطلقة وكأن المسألة قد حسمت منذ زمن بعيد وبدأ التنفيذ للمخطط المزعوم وليس لهذه الدول إلا ان تنتظر مصيرها المشؤوم وكأن شعوب العالم العربي والإسلامي قطيع أغنام تساق إلى المذبح. يشطح بهم التفكير إلى الحد الذي يتصورون معه ان مقدرة الغرب والعياذ بالله إلهية لابد ان تتم، ففي نظرهم ان الأحداث التي مر بها العالم العربي كلها سلسلة متصلة من مخطط متكامل أعدته قوى خفية وعلى هذا فكل حروب المنطقة المختلفة في أعوام 1956م، 1967م، 1973م وحربا الخليج بل وحتى ضرب برجي التجارة العالمي ومبنى البنتاغون هي حلقات ضمن هذا المخطط. ولو حاولت ان تشكك بما يقولون أو تكبح جماح خيالاتهم وتطالبهم بشيء من الواقعية لقالوا لك هل نسيت اتفاقية سايكس-بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى التي قطعت أوصال العالم العربي إلى دول مختلفة بدلا من الدولة العربية الموحدة التي كان يحلم بها العرب آنذاك، ولكنهم لايجدون مبرراً لكلامهم لو ذكرتهم بأحداث حرب الخليج وجو المؤامرة الغربية الذي كنا نعيشه في ذلك الوقت وما كان يردده المفكرون العرب في وسائل الإعلام من مخطط الغرب تجاه المنطقة، فقد كنا نتوقع قياسا على مايقولون أن المنطقة مقبلة على كارثة بيئية وسياسية واجتماعية واقتصادية كما ستتم السيطرة على منابع النفط إلى آخر ذلك من الفواجع والأهوال التي كانوا يتنبئون بحدوثها، ولكن الكثير من ذلك لم يحصل بحمد الله، صحيح أن للحرب آثارا لايزال بعضها قائما ولكن ليست بالحجم الذي روج له في حينها. والآن نسمع الكثير مما يخوف به مفكرونا وإعلاميونا من مصائب وويلات لا نملك إلا أن نسأل الله ان يجنب المنطقة العربية شرها. الشيء المؤلم أنهم لا يضعون حلولا أو خططا لتلافي ذلك ولو وضعوا لكانت حلولا صعبة التحقيق وغير عملية وقد لا تتم في عصرنا المنظور، فمثلا ينحون باللائمة على الأنظمة العربية وأنها يجب ان تكون حازمة وذات مواقف صلبة ومستعدة للعمل العسكري وينسون إمكانات الدول العربية مقارنة بدول الغرب وهم يطلبون من القيادات العربية إحداث تغييرات جذرية وينسون أيضا أنه حتى لو أن هناك رغبة في التغيير فإن الأمر يتطلب وقتا وإمكانات يستغرق توفيرها وقتا طويلا.
وقد استمعت إلى متحدث في إحدى الحلقات في محطة تلفزيونية قال مقدم الحلقة عنه إنه خبير في القانون الدولي وله مشاركات عالمية واستاذ في إحدى الجامعات العربية، وقد كان الموضوع يدور حول الإعلام في أمريكا وكيف تتحكم فيه قوى ذات أهداف ومخططات عدوانية وقد خص بالذكر اللوبي الصهيوني الذي قال عنه إنه يمارس إرهاباً لكل من يجرؤ ويقول كلمة حق في صالح القضية الفلسطينية أو علاقات بعض الدول العربية المتميزة مع أمريكا مثل علاقتها التاريخية بالمملكة وتحارب كل قلم حر أو رأي مستقل يعارض مصالحها، وقد حرصت ان اسمع المقابلة كاملة على أمل ان يضع هذا الخبير حلولا عملية لهذا الإرهاب الإعلامي ولكن شيئا من ذلك لم يحدث بل انتهى من حديثه مكملا الصورة المرعبة عن اللوبي الصهيوني وكأنه جاء لغرض إحباط المشاهدين والقول لهم بأن الأمر اكثر مما نستطيع مجابهته ولم يقصر مقدم الحلقة في التأكيد على كلام هذا الخبير. وقد تساءلت بعد انتهاء الحلقة عن الهدف من بثها والغرض من استضافة المتحدث هل هو لاستعراض معلومات وسعة اطلاع مقدم الحلقة أم ان هناك غرضا خفيا هو مايشعر به كل من شاهد الحلقة بخيبة الأمل في وضعنا وأننا لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا أمام هذه الهجمات الإعلامية الشرسة أم ان ذلك يقع ضمن مسلسل جلد الذات الذي نجيده؟قد يقول قائل بأن الحذر واجب وحسن النية في الآخرين وخاصة على مستوى علاقات الدول ببعضها يعد ضربا من السطحية، والعرب تقول بأن من الحزم سوء الظن بالناس أي الاستعداد لما قد يحاك ضد العالم العربي والإسلامي، وهذا صحيح شريطة ألا نبالغ في وضع (السيناريوهات) التي لا تستند إلى حقائق ولا تستمد معلوماتها من دراسات وأبحاث ولا ترتبط بأمثلة مشاهدة يمكن ان يقاس عليها وضعنا في العالم العربي. والعجيب انك عندما تستمع إلى متحدث غربي سواء كان مسؤولا أو مفكرا أو إعلاميا في أي قناة تلفزيونية أو تقرأ بعضا مما يكتب في الصحف والمجلات الغربية عن الأوضاع بعد الحادي عشر من سبتمبر والنوايا المبيتة للمنطقة العربية لا تجد الحديث عن المؤامرة والاستراتيجيات الخفية المعدة منذ وقت طويل كما يقول المفكرون العرب الذين يؤكدون دائما ان الأهداف المعلنة مغايرة للأهداف الخفية. فلا يدور مايقوله المفكرون الغربيون عن تقسيم للبلدان العربية وإعداد خارطة جديدة للعالم العربي ولا عن الاستيلاء على منابع النفط ولا عن الرغبة في الوصول إلى المياه الدافئة ولا الإقامة الدائمة للقوات الأجنبية ولا عن تمكين دولة اليهود من السيطرة على أراض عربية ولا عن ترحيل الفلسطينيين وتفريغ مناطقهم ضمن مايسمى مخطط (الترانسفير)، لايقولون شيئاً عن ذلك مطلقا، صحيح ان بعض المتحدثين والكتاب الغربيين يدلون بآراء شخصية عن رغبة في الانتقام واستعداء الدول العربية ولكنهم لايقولون ان هناك مخططات لعمل كذا وكذا.
الاختلاف بين مفكرينا ومفكري الغرب لابد له من أسباب فإما ان يكون الكتاب والمفكرون العرب قد اطلعوا على مخططات وقرأوا معلومات سرية لم يطلع عليها المثقفون الغربيون، وهذا احتمال غير وارد، وإما أن يكون هؤلاء الكتاب متفقين مع حكوماتهم على عدم البوح بهذه المخططات والسياسات الخفية رغم علمهم بها، وهذا احتمال ضعيف لأنه من الصعب ان يتفق الجميع على هذا النهج، كما ان وسائل الإعلام الغربية تحرص على السبق الإعلامي وتتحمل الكثير من الأخطار والملاحقة القانونية عند إذاعة أو نشر تقارير سرية عن خطط حكومية كان يفترض ألا يطلع عليها أحد وتتنافس وسائل الإعلام الغربية في إطلاع الآخرين على كل مايمكن ان تحصل عليه من معلومات بغض النظر عن سريتها لأنهم يرون في ذلك رسالة إنسانية تحتم عليهم الأمانة حملها. أما الاحتمال الثالث وهو في نظري الأقرب إلى الصواب فيما يتعلق بالفرق بين مفكرينا ومفكري الغرب في طرح القضايا السياسية والعسكرية وغيرها هو أنهم أي مفكري الغرب غير مسكونين بهاجس نظرية المؤامرة وهم أكثر واقعية في التفكير وشفافية في قراءة الأوضاع. فأحداث سبتمبر مثلا هي أحداث مفاجئة لم يحسب حسابها ولم يخطط لها إلا من قبل من قام بها، وماحصل من تداعيات ومايمكن ان يحصل في المستقبل هو نتيجة لما وقع في الحادي عشر من سبتمبر وليس كما يقول مفكرونا بأنه ضمن مسلسل مخطط له سلفا وذريعة لما سيحدث في المستقبل من تغيرات.
أنا هنا لا أحاول ان أبسط الأمور ولا أركن إلى الدعة ولا إلى المواقف السلبية من الأحداث لكننا سئمنا سماع الحديث عن المؤامرات والخطط العدوانية التي يحيكها الآخرون ومللنا الخطاب السياسي العربي الذي لم يتغير منذ زمن بعيد، ما نريد هو ان نكون أكثر واقعية وأعمق فهما في استقراء الأحداث والاطلاع على مايقوله الآخرون وربط الأمور ببعضها بمنطق سليم وحجة مقنعة لا ان نتخذ من نظرية المؤامرة مشجبا نعلق عليه كل اخفاقاتنا وجداراً نختبئ وراءه دون ان يكون لنا دور واضح في التأثير والتأثر والتحاور مع مفكري الغرب.
أخشى ما نخشاه ان تكون نظرية المؤامرة حاجزاً صلباً يخفي عنا الحقيقة ويحصرنا في نطاق ضيق نتحدث إلى بعضنا ولا يسمعنا أحد ولا نقنع أحداً.
فعاجز الرأي مضياع لفرصته حتى إذا فات أمراً عاتب القدرا |
والله ولي التوفيق.
عميد الدراسات العليا - جامعة الملك سعود |