منذ ما قبل 11 سبتمبر 2001م، والجدل قائم في معظم أصقاع الوطن العربي، حول قضية «الحوار مع الغرب» آلية وجدوى، وجاءت كارثة الحادي عشر من سبتمبر لتتحول معها جذوة هذا الجدل إلى نار تلظّى، وانقسمت الأنام، بين راغب في الحوار مع الغرب وراغب عنه، ومشكك فيه، ومتحمس له، وظل الناس من قبل ومن بعد يتساءلون: لماذا فشل العرب في التفاهم مع الغرب كي يصلوا إلى ما وصلوا إليه؟ وهل هناك جدوى لهذا الحوار من حيث المبدأ، وما هي المحاذير لذلك، وأسئلة أخرى يتردد صداها في الأذهان يوماً تلو الآخر!
**
وتعليقاً على ما ورد ذكره أعلاه أقول:
* نحن العرب بلا ريب مقصرون في تعاملنا الإعلامي مع الغرب ومع غير الغرب، لسبب بسيط هو اننا في معظم الأحوال نتحدث إلى أنفسنا وبلغتنا نحن، ونحسب ان «الآخر» يفقه ما نقول، ثم نستنكر في النهاية جهله بنا أو تجاهله لنا!، وهذه حقيقة لا خيال!
* من جهة أخرى، أرى انه لابد لنا ان نفرق بين الحديث إلى الذات عن الذات والحديث مع «الآخر» تعريفاً له بنا، وشرحاً لقضايانا، على ان يكون ذلك الحديث بلغة يفقهها هو، لا بلغتنا التي قد ننقسم أحياناً في فهمها!
**
* وأتساءل بهذه المناسبة..
* كم سفيراً وممثلاً لنا خارج الوطن العربي يتقن لغة البلد الذي يمثل فيه بلاده؟!
* كم سفيراً وممثلاً لنا في الخارج يحرص على متابعة أداء المشهد الإعلامي في بلد التمثيل، مقروئه ومسموعه ومرئيه، خاصة إذا كان الطرح الإعلامي يعنينا، سلبا او ايجاباً؟!
* كم سفيراً وممثلاً لنا في الخارج يتفاعل بذكاء وحصافة مع بعض ما تبثه قنوات الإعلام في بلد التمثيل طرحاً أو شرحاً أو دفاعاً عن قضايا تهمنا؟!
**
* إذاً، فحين نتحدث عن التعامل مع الحضارة الغربية، ونتساءل هل هو حوار أم صراع، ننسى اننا حتى الآن لا نملك «آلية التعبير» عما تضمه عقولنا وقلوبنا كي يفهمنا الآخرون فهما لا ريب فيه، ومن ثم، تبقى القضية في التحليل الأخير، كما أراها، تشير إلى «أزمة فهم» للغرب لا «أزمة حوار» معه، لأننا حتى الآن نفتقر إلى آلية فاعلة للتعبير تحمل «الآخر» على سماع ما نقول أو قراءة ما نكتب، وأعتقد اننا مسؤولون عن الجزء الأكبر من تلك الأزمة، وقد قيل في الأثر، «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم» والتعلم هنا لا يعني معرفة لغة «الآخر» مفردات ونحواً وصرفا، بل «فهم» لغة هذا «الآخر»: تاريخا وثقافة ومواقف وأنماط تفكير، وهذا أقصر السبل وأجداها للتعريف بأنفسنا وقضايانا، وبالتالي، التأثير على «الآخر» لصالحنا!
**
نعم.. إننا معشر العرب في أمس الحاجة إلى تفعيل قدرتنا على الحوار مع «الآخر» تفعيلاً تسيره موهبة العقل لا عضلة اللسان، وقد أثبتت كارثة الحادي عشر من سبتمبر العام الماضي حجم الهوة السحيقة التي تفصل بين خطابنا الإعلامي والخطاب العربي.. ومن خلال هذه الهوة تسللت طفيليات العبث الصهيوني إلى مضايق العقل العربي، والأمريكي منه خاصة، لتسيء إلينا، هوية وسمعة وتاريخاً، وتشوه قضايانا، وصرنا في بعض المواقف والأوقات نشبه الغريق الذي يلتمس الخلاص ولو بشعرة يستلّها من جلد بعير!
|