|
|
في إحصائية حديثة عن الطباعة والنشر في العالم الثالث - وإن شئتم النامي - أظهرت ان ما ينشره من الكتب يشكل «30%» من انتاج العالم، بينما تساهم دور النشر الأوروبية بما يتجاوز ال«50%» من الانتاج العالمي من الكتب، وهي احصائية تدعو للتفاؤل.. نحن وأوروبا وهذا الفارق فقط؟ لكن احصائية أخرى - ترفض ان «تُتم فرحتنا»- تقول: إن 80% من اجمالي سكان العالم يقطنون مساحة شاسعة ويعتمرون قبعة العالم الثالث، بينما لا يشكل سكان أوروبا أكثر من 15% من النسبة نفسها! إنها مفارقة لا شك. والأمر في اجماله لا يحتاج الى تحليل وبحث، إن ما أوجد هذا الفرق وبهذا الحجم بين فكرين هو الانسان نفسه هنا وهناك، ومجموعة متشابكة من وسائل صناعة هذا الانسان فكرا وثقافة وسلوكا ووعيا. ونحن في العالم العربي، هذا الجزء الصغير المتواري من الدنيا نعيش حالة فوضى وتجاوزات - مشروعة وغير مقلقة!- من الذي ينشر؟ وماذا ينشر؟ وكيف ينشر؟.. وبمراجعة سريعة لحركة النشر في عالمنا الثالث - الذي أحب هذا الترتيب الكوني، واقتعده بلا تردد - نراها تفتقر الى سياسة واضحة موثقة ومتوازنة وعادلة تكفل لأطراف معادلة النشر، الاستقرار والحماية والأمان وفي المملكة يعيش الكتَّاب «واقعاً» خانقاً، أفرزته عوامل عديدة دفعت بنا وبه الى أتون السؤال: من المسؤول؟: في إحصائية نشرتها مجلة اليمامة في الثالث عشر من شوال 1420ه تشير الى ان في المملكة أكثر من 1000 دار نشر!! ورغم تسليمنا ان كلمة «دار نشر» كلمة مطاطية تحتمل داراً فعلية تمتهن صناعة النشر هدفا وتقنية، وأخرى مجازية قد تكون داراً أو قصراً أو مجرد «زاوية» لا تملك أدوات وأبجديات مهنية النشر، فيبدو ان الأخيرة هي التي فازت بقصب السبق في هذه الاحصائية. 1000 دار نشر، ومؤلفون يرتحلون بأوراقهم ومخطوطاتهم الى خارج الحدود بحثا عن ناشر! ما هو التفسير المقبول لذلك؟ يعلق الدكتور «عباس طاشكندي» - أحد أهم المعنيين والمهتمين بالكتب والمكتبات وعميد لشؤون المكتبات والمعلومات بجامعة الملك عبدالعزيز وصاحب لعدد من المؤلفات والدراسات والمتابعات لقضايا النشر والكتاب السعودي - قائلا: إن ناشري اليوم هم مجرد باعة كتب، غير مستوعبين للقيمة الفكرية لما ينشرونه وغير واعين بدورهم الحضاري!!. ويلتقط المؤلف المحلي، وهو أحد الأطراف المهمة في أزمة الكتاب ونشره - ظاناً انه سيبلي حسنا -، هذا الاتهام لينطلق منه بآخر فيصف الناشر - المحلي أيضا - بتعمد المغالاة المادية والتعسف الفكري وفقر تقنيات النشر، ولا ندري من أين جاءت هذه الاحصائية المحبطة التي تقول: إن داراً واحدة للنشر في فرنسا تستهلك من الأدوات والورق والمواد الطباعية والتقنيات المصاحبة ما تستهلكه دور النشر مجتمعة في العالم العربي!. فإن صدقت فقد كرست واقعاً وأفصحت عن حقيقة، وان بالغت فقد أكدت على ان دور النشر العربية تنوء ب«عتاد» قد لا تقبله المزادات. ويلتقط الناشر الكرة فهي في ملعبه هذه المرة ليعيدها - مع التحية - قائلا: إنه لا يجد في الغالب إلا محتوى فكري يستعصي على هضم المتلقي، لذلك فهو يرحب بالوجبات الخفيفة «السريعة» مثل دواوين الشعر الشعبي والقصص والروايات الهزيلة والسير الذاتية المتورمة بالادعاء. وتستقر الكرة في ملعب واسع وعر جداً هو المتلقي. فمن هو المتلقي؟ من هو هذا الهلامي؟ إنه الإشكالية التي تثير جدلا واسعا. يقول الدكتور «عثمان الصيني» أستاذ اللغويات والباحث المعروف:«إن أوسع الكتب انتشارا ليست بالضرورة أجودها» وها هي قوائم الكتب الأكثر مبيعا في العالم تؤكِّد ما ذهب اليه الصيني، فالروايات البوليسية والعاطفية والجنسية، وكتب الأبراج والطالع وموسوعات الطبخ، تتصدر تلك القوائم وتسجل مبيعاتها أرقاما فلكية، ورغم التسليم بأن معايير تداول الكتاب نسبية وسوق الكتاب يفرض أحيانا قراءات بعينها، إلا ان هذا لا يعفي الناشر من مسؤوليته ومساهمته غير العادلة في تأكيد هذا الواقع والعمل على ترسيخه. ولا بد من كلمة سواء: ان انخفاض المستوى التعليمي والثقافي للمتلقي وغياب الحافز لديه - أو عدم وضوحه - للمعرفة والاطلاع والبحث والاكتشاف، انعكس على انحسار العرض وتهميش محتواه مقابل انكماش واضح في كم ونوع الطلب ليعيش الكتاب المحلي مأزقه الكبير في البحث عن هوية ومكان. أجزم تماما ان القضية ليست بهذا التبسيط وأن حولها ألف جدل وجدل وأنها معقدة ومتشابكة لدرجة لا تصدق، وليست هذه العجالة معنية بالبحث عن متهم لتنتهي المرافعة سلبا أو ايجابا ولكننا نعلق جرساً - كما فعل ويفعل كثيرون - ونضيء قنديلاً لن يكون في آخر النفق. ونعيد صياغة السؤال: |
![]()
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |