أيام عملي رئيساً لتحرير صحيفة «الدعوة» الأسبوعية، من غرة محرم 1385 حتى عام 1392هـ وكنت أتناول بعض الأحيان في افتتاحية الصحيفة نقداً.. فيه الشيء الكثير من الجرأة والصراحة للمواقف العدائية الأمريكية لقضية العرب والمسلمين الأولى (قضية فلسطين) وقضية (القدس) بخاصة، فانحيازها السافر للجانب الإسرائيلي وتأييدها للعدوان والاحتلال الذي تمارسه ضد الشعب الفلسطيني.. مع أنه أقل شراً وفجوراً مما تفعله الآن برئاسة المجرم العنصري شارون حينذاك - كان (سعادة وكيل وزارة الإعلام) يتصل بي كلما صدر عدد (الدعوة) هو يحمل كلمة لي عن الموقف الأمريكي.. هاتفياً، ويناقشني في مقالي، وأحيانا يطلب حضوري إلى مكتبه في الوزارة، ويحضر إلى جانبه بعض موظفي الوزارة.. كأنه يريد بذلك أن يكونوا شهوداً على ما يدور بيني وبينه من نقاش حول ما كتبت..!
ومن ذلك - مثلاً - قوله «ألا ترى يا أستاذ أنك دائماً في كتاباتك السياسية تتخذ موقفاً متحيزاً ضد أمريكا..؟! وأنك إذا كتبت عن (الاتحاد السوفياتي) تلمسه لمسا خفيفاًَ. ليس بشدة ما تقوله عن أمريكا..؟»!
قلت عسى ألا يكون في ذهنك أن لي ميولاً أيدلوجية ماركسية مثلاً - لا قدر الله - قال «لا.. لا حاشا.. ولكنك لا تشدد في عدائك له كما تشدد نحو أمريكا».
قلت له أما قرأت قوله تعالى: {إنَّ الشَّيًطّانّ لّكٍمً عّدٍوَِ فّاتَّخٌذٍوهٍ عّدٍوَْا} والاتحاد السوفيتي عدو للإسلام بمبادئه الالحادية وماركسيته الاقتصادية.
وإذن فعداوته للإسلام أمر مفروغ منه. ولا حاجة للتركيز والتصنيف المستمر فيما تكْتب عنه.. أما (أمريكا) فهي تدعي أنها ليست معادية للإسلام والمسلمين.. وهو ادعاء يفضحه الواقع المبطن بكل أدوات الكراهية والعداء للعرب والمسلمين. بمساندتها للعدوان اليهودي على فلسطين وانكارها لحق العرب والفلسطينيين في اقامة دولتهم على أرضهم التي توارثوها منذ آلاف السنين.
تراجع سعادة الوكيل قليلا: «أنا معك يا أخ عبدالله فيما تقول.. ولكن السفارات الأجنبية تحتج علينا إذا كتبتم ضد هذه الدولة، أو تلك، على اعتبار أن ما تكتبه صحفنا يعبر عن وجهة نظر الحكومة..».
قلت: هنا وصلنا إلى النقطة الحساسة والحاسمة..! لماذا تؤخذ كتاباتنا على أنها تعبير عن وجهة نظر الحكومة.. وليس تعبيراً عن وجهة نظر الشعب؟
وهنا (وقف حمار الشيخ في العقبة) أو أن (في فمه ماء) يمنعه من التكلم..!!
***
إن ما ذكرته آنفاً يعود إلى (38) سنة مضت.
وها هو العدوان اليهودي النصراني على العرب والمسلمين يتجدد ويستفحل بمرور الأيام والشهور والأعوام دون أن تطرف لأعداء العرب والمسلمين عين، أو يرف لهم جفن، إزاء الظلم الصارخ والعدوان الهمجي، على الأطفال والنساء والرجال الذين يقفون دفاعاً عن عقيدتهم ومقدساتهم وحماية الديار والذمار.
***
كان هامش حرية التعبير حينذاك صغيراً.. مع اعتبار أن ما يحمله ذلك الهامش الصغير لا يحسب على أنه نتيجة لوعي الشعب وتنوره المتنامي.. بل هو في حسبان من يعنيهم الأمر داخل المملكة وخارجها نبض الحكومة لا المجتمع. وهذا ما كنا نضيق به ذرعاً.. إذ كنا نتطلع إلى أن يكون الشعب أو المجتمع العربي السعودي هو صاحب هذا التوجه الانفتاحي.
وذات مرة دار بيني وبين معالي الأستاذ جميل الحجيلان وزير الإعلام يومذاك، نقاش حول ما يكتب في الصحافة السعودية لدى الأجانب بأنه يعبر عن رأي الحكومة.. وهذا يحرجها حقاً لدى تلك الدول.. قلت: لماذا لا تفهمون السفارات الأجنبية عندما تحتج على رأي نقوله في صحافتنا إنه نبض الشعب وليس الحكومة...؟
كان جوابه: الأجانب يعتقدون بأن الشعب السعودي لم يصل بعد إلى تكوين رأي عام.. ومن هنا يحملون الحكومة مسؤولية النقد الواعي يوجه إلى دولهم.
قلت له: إن مما يشرف حكومتنا، وهو كذلك ما يشرف كل حكومة في العالم.. أن تباهي بوعي شعبها ونضوجه الفكري والسياسي.. بل ان الحكومة تشْرُف إذا كانت تحكم شعباً واعداً.. لا أن تحكم شعباً جاهلاً أوخاملاً.
قال معاليه: أوافقك على هذا التحليل والتعليل.. لكن واقعنا هو هذا. ونحن ما ترون دوما إلى الأفضل والأحسن، إن شاء الله.
والآن كيف الحال..؟!
أعتقد أننا خلال الأربعين سنة الماضية قد قطعنا مسافة كبيرة ليس في تطور الرأي العام المجتمعي السعودي.. بل كذلك في تطور المفهوم الحكومي نحو إشاعة الحرية الفكرية العقلانية الملتزمة بالقيم والثوابت المرعية بين الحكومة والمجتمع.
***
وها هي صحافتنا تحمل الرأي والرأي المضاد له في تواد ومحبة وبين كل المجتهدين.. وها هي المقالات الفكرية المنفتحة.. والسياسية في أدق تفاصيلها وأحرج منعطفاتها.. تواجه أعداء الأمة العربية والإسلامية بكل شجاعة واقتدار.. لاسيما بعد الحملة الموحدة بين النصرانية الصهيونية واليهودية إثر العمل الاجرامي الذي وقع يوم 11 سبتمبر في أمريكا.. الذي أدانه العرب والمسلمون إدانة صريحة لا لبس فيها، ومع أنه عمل فردي لا يمثل رؤية الإسلام على الاطلاق.. وليس هو ببعيد عما حصل في (أوكلاهوما) من أمريكي أبيض.. إلا أن روح العداوة التي كان يكنها النصارى المتصهينون انفجرت كاشفة المخبأ في النفوس.. فقامت هذه الحملة العدائية الرعناء ضد الإسلام وأهله.. وقام العرب بالرد عليها.. ومازال السجال قائما وسوف يستمر إلى ما شاء الله!!
وهنا أصبح الرأي العام العربي حرَّاً في التعبير عن وجهة نظره وفي الرد والتصدي لأعدائه بقدر المستطاع.. وهو ما يخفف عن الحكومات العربية مؤونة الاحراج مع الدول الأجنبية.. والحياة سجال دائما بين الحق والباطل.. {وّاللَّهٍ غّالٌبِ عّلّى" أّمًرٌهٌ}.
الناسوخ : 2088471 - ص.ب. 26564 الرياض 11496 |