في عصور الاقطاع كانت الأراضي هي أهم الأصول إن لم تكن الأصل الوحيد.. ومن بعدها في عصر النهضة الصناعية.. أُضيف إليها الآلات والمعدات الصناعية كأصول مهمة تفوق قيمة الأرض كأصل.. والآن في عصر الاتصال صارت المعلومة والمعرفة وسبل ايصالها والاستفادة منها تمثل أهم الأصول وأثمنها.. رغم أنها أصل غير ملموس لا يقاس حجمها بالمتر ولا وزنها بالكيلو جرام.. لكن لا أحد ينكر أهميتها.
حينما يسبب الانتاج تخمة في المستودعات.. يتحول من نعمة إلى نقمة وخسارة.. فما فائدة الانتاج دون تصريف.. هذا أوجد مهنة اسمها التسويق.. وهي من المهن التي تعتمد في نصفها الأول على المعلومة والمعرفة وسبل ايصالها والاستفادة منها كما تعتمد في نصفها الآخر على الاستعداد الفطري.
في عالم المهن نجد المبدع ونجد غيره.. ويقال ان النسبة العظمى من العاملين في المهن المعروفة هم في الأصل عملوا فيها نتيجة اتاحة الفرص أو الصدفة وليس الرغبة.. لذلك المبدعون في كل مهنة محدودون جداً.. والتسويق مهنة تماماً كمهنة الطب والهندسة والتدريس والنجارة.. الخ.
ولحداثة هذا العلم عالمياً.. فهو أيضاً حديث كمهنة محلياً.. لذلك من المشاكل التي تعاني منها الادارات العليا في المصانع ومراكز الانتاج تركيزهم على الانتاج والنواحي المالية والتكاليف واهمالهم للتسويق..رغم أن الجزء الأهم من اخفاق أو لنقل خسارة أي شركة يعزى عالمياً إلى مسؤول التسويق قبل مدير الشركة.. فالمسوِّق غالباً هو أس النجاح أو الفشل لأي جهة انتاجية أو خدمية.
ورغم أن التسويق هو استثمار في أصل «Soft Asset» ويجب النظر إلى نفقاته على أنها استثمار يدعم عملية بناء وتأسيس أصل.. إلا أنه للأسف كثير ممن يقودون مهام التسويق في شركاتنا المحلية احاطتهم بهذه المهنة احاطة غير مكتملة.. فقد يكون لديهم العلم.. لكن ليس لديهم الاستعداد الفطري الذي يقود إلى أقصى حالات التفوق والنجاح.
بحكم المهنة لي اتصال واسع بقطاع كبير من المسوِّقين في مختلف المجالات مالية وتصنيعية وخدمية واعلامية.. بعضها رابح وبعضها خاسر.. واستطيع أن أضرب لكم أمثلة تؤكد ما ذهب إليه من يقول إن مسؤول التسويق هو من يجب النظر إليه في أي عملية تغيير أو تطوير.
شكا أحد مديري التسويق في شركة تصنيع محلية «مساهمة» من الاغراق وأن الأوربيين أغرقوا السوق مما جعل شركته التي يقود فيها التسويق تخسر وتخسر.
وكان السؤال كيف يكون ذلك؟!.. فصناعات أوروبا يجب أن تكون أغلى تكلفة تصنيع يضاف إلى ذلك الشحن والجمارك ومصاريف وربح التاجر المورد.. وحتى لو كانت المنافسة والاغراق من دول جنوب شرق آسيا لوجدنا أن الفرص المتاحة لك «الشركة والمسوِّق» أكبر.. فأنت البائع مباشرة ومصاريف التشغيل من كهرباء وماء وأرض هي الأقل كلفة بل ان العمالة المنتجة لديك هم من الآسيويين الذين لا تصل رواتبهم ضريبة الدخل فقط التي تفرض على موظفي وعاملي المصانع الأوروبية.
إذاً ومن هذا المنظور ففي ا لأمر خلل ليس مصدره مزاحمة المستورد. بعدها نظرنا إلى صديقنا الذي امتهن التسويق.. فوجدناه قد درس التسويق أكاديمياً.. وأخذ فيه شهادة عليا.. بل وزاد على ذلك أنه عمل بعد تخرجه في أكاديمية كبيرة كمحاضر في التسويق.
هذا الصديق نعم درس التسويق دراسة عليا وعمل كمحاضر في التسويق ولكنه مثل كثير من المهندسين والأطباء والاعلاميين.. لديهم شهادة بالمهنة لكن ليس لديهم قبول فطري.. وبالتالي استيعاب أعمق لا معرفة سطحية.
|