بكل تأكيد سبق لك ذات مرة المرور بمعلم جديد أصابه قبل أوان اندثاره الاندثار.. فلماذا يا تري يموت الجديد أحياناً في مهده «جديداً» أو في أكثر الأحول تفاؤلاً وهو شبه جديد..؟
إن ظاهرة فجائية اندثار الأشياء «الجديدة» من ماديات الحياة تكاد تكون عالمية الطابع، وأسباب ذلك تعود الى أن الجديد قد يصطدم بالقديم فيموت الجديد في حين يصاب القديم بالإعاقة المزمنة. فعملية قدوم الجديد وحلوله ضيفاً غير مرحب به على مرابع القديم هي عملية نهايتها في الغالب مأساوية من حيث إن قدوم الجديد هو في أصله طرد للقديم من الخدمة أو على الأقل احالة قسرية له الى التقاعد بطريقة أقرب توصيف لها هو الاستغناء عنه بالبديل. وكما ترى فلمثل هذا النهج إضرار بالغ في «نفسية» القديم الأمر الذي يوجب أن يكون قدوم الجديد على القديم قدوم احلال سلمي لا قدوم احتلال بالقسر والإكراه، فالاثنان ليسا بالضرورة قطبين متنافرين ودليل ذلك أن قليلاً من جهود «التأليف» بينهما كفيلة بزرع أسباب الألفة وإزالة عوامل النفور..
كيف يتم ذلك..؟
يتم ذلك حين تراعى «تدريجية» قدوم الجديد على نحو يضمن تكيف القديم مع الحقيقة المستجدة عليه بقدوم الجديد، وأمر كهذا لا يأتي إلا حين يمنح القديم ما يشبه «المهلة» الانتقالية الكفيلة بإذابة رفضه افساح المجال لحلول الجديد، ومعوقات هذه المرحلة هي نفسية في الغالب الأمر الذي يحتم المبادرة الى العمل على المزاوجة بين المشروع القديم والآخر الجديد - أو على الأقل ايهام القديم بحدوث ذلك- ونجاح عملية الزواج هذه منوط بنجاح الطرفين في تحقيق الاندماج الحسي الكفيل بتأتي الاستدماج المعنوي/ النفسي، إنها «المطابقة» كما تعرف علمياً في الدراسات التنظيمية الباحثة في اسباب ميل البشر الى الوقوف في وجه الجديد وطبيعة معوقات تقبلهم او رفضهم لذلك والطرائق المثلى لاستضافة الجديد على نحو توفيقي لا يفضي الى تقبله بلا قيد او شرط انقطاعا وركونا إليه فقط ولا الى رفضه ومواصلة التواصل الكلي مع القديم.
إنها عملية التأليف بين الجديد والقديم أقرب ما تكون الى عملية تهذيب حديقة مهجورة حيث في مثل هذه الحالة يصبح المشي على أشواكها قدراً محتوماً بل قد يتجاوز الأمر حدود ذلك حيث قد تحوي هذه الحديقة من الحشائش الضارة والزواحف السامة والأغصان المتشابكة ما يضاعف من كمية الضرر ونوعية الضرار، غير ان كل ذلك «يهون» في حال تذكرنا حقيقة أنه مهما كانت مرهقة هي الجهود فسوف تمكننا في النهاية من ان نمشي بكل راحة ويسر في كافة أرجاء الحديقة لنستمتع من ثم بشم ما تضمه نواحيها من زهور يانعة ذكية ندية.. ومتى يحدث مثل ذلك تطبيقاً على الموضوع الذي بين أيدينا..؟! يحدث ذلك حين نتذكر ان أسباب «الاندثار» لا تنحصر فقط في عدم تقبل القديم للجديد المرتحل.. فبين القادم الجديد والقديم المرتحل يقبع إنسان بيده زهرة هي الأمل وباليد الأخرى شوكة هي اليأس وبين الأمل واليأس مساحات مليئة بخوف إنسان يحزنه القدوم خوفاً من تكرر ما حدث قبل القدوم مثلما يحزنه الرحيل خوفاً مما قد يحدث بعد الرحيل.
|