في كل مجتمع انساني.. يسود تيار فكري عام، يستقيه المجتمع من تراثه وثقافته، ويتساوق مسلك النهر الجاري الممثل للأغلبية، مع المنهج الفكري الذي يرتضيه كل مجتمع، لكن هذا لا يمنع من وجود هوامش مغايرة لهذا المنهج العام، وهذه الهوامش تتجه إلى اليسار أو اليمين من شاطئ النهر الجاري بقيم المجتمع وقناعاته. هذا الكلام ينطبق على كل المجتمعات الانسانية في الشرق والغرب والشمال والجنوب، لا يستثني من قاعدته الأساسية مجتمعاً، فالمدينة الفاضلة التي نظر لها افلاطون تظل حبراً على ورق، ذلك ان الخالق عز وعلا قدر على الخلق أن يتباينوا، وأن يظل الخير والشر خيارين أمام الناس، وهو القائل {لٌيّبًلٍوّكٍمً أّيٍَكٍمً أّحًسّنٍ عّمّلاْ وّهٍوّ العّزٌيزٍ الغّفٍورٍ} ولأن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك، فإنه -في المقابل- اقتضى العدل الإلهي ان يحاسب كل انسان على ما يفعله فحسب {وّلا تّزٌرٍ وّازٌرّةِ وٌزًرّ أٍخًرّى"} وباعتبار ان الإسلام دين متمم لما قبله من صحيح الأديان والرسالات السماوية، ودون الدخول في تفصيلات كثيرة، فإن تعاليم اليهوديةوالمسيحية لابد أن توافق - في الأصل - هذا الحكم الإسلامي {كٍلٍَ نّفًسُ بٌمّا كّسّبّتً رّهٌينّةِ} ، لكن المتعصبين للشر والصراع يزورون النصوص ويسيسوها تسييساً خاطئاً متعمداً من أجل الترويج لصراع عالمي قد يأتي على الأخضر واليابس، ولن يسلم أحد من حريقه.
نحن قد نوافق على أن حفنة من أبنائنا - مع الأسف - قد خرجوا علينا قبل أن يخرجوا على الآخرين، وان فعلتهم - لو صحت بحقهم - مدانة بنص الشريعة الإسلامية التي تحرم العدوان على النفس والمال والعرض، وتجعل من مات دون شيء من ذلك شهيداً. بل إن الإسلام يبالغ في تغليظ جرم العدوان على النفس في قوله تعالى: {مّن قّتّلّ نّفًسْا بٌغّيًرٌ نّفًسُ أّوً فّسّادُ فٌي الأّّرًضٌ فّكّأّنَّمّا قّتّلّ النَّاسّ جّمٌيعْا وّمّنً أّحًيّاهّا فّكّأّنَّمّا أّحًيّا النّاسّ جّمٌيعْا} ولقد وقف البعض في جاهليتهم - أمام هذه الآية موقف المندهش المتعجب. فهذه الخنساء - أم الشهداء الأربعة - تنظر إلى الآية - قبل اسلامها - بكثير من الشك والريبة، لكنها عندما قتل أخوها صخر، وكان بالنسبة لها الدنيا بأسرها، أدركت كيف يكون ازهاق نفس واحدة - بغير الحق - ازهاقاً لكل الأنفس.
إن إعمال النص الإسلامي دستوراً وحيداً في المجتمع السعودي لا يمكن أن يجعل من هذا المجتمع مفرخة للإهاب كما تدعي الآلة الصهيونية ومن يسير في فلكها، حتى لو ثبت بحق نفر منا ارتكاب الجريمة التي استنكرناها، فتعميم الأحكام على الجملة بفعل الفرد لا يمكن أن يستقيم، لكننا نواجه - على كل حال - حملة شرسة تستهدفنا في الخارج وفي الداخل، أما في الخارج فإنها تسعى للتأثير ضدنا لدى الدوائر العالمية، والوقيعة بيننا وبين أصدقاء ارتبطنا معهم طبقاً لاحترام متبادل قوامه مبدأ تحرص عليه السعودية - قولاً وعملاً - وهو أننا لا نتدخل في شؤون الآخرين، ولا نسمح للآخرين بالتدخل في شؤوننا. وعلى تلك الدول - الصديقة - التي تصلها الدعاية المغرضة ضدنا ان تستبين رشدها ان كانت صادقة المودة، والا تنساق وراء تلك الدعاية انسياقاً أعمى.
وعلى الصعيد الداخلي اعتقد ان الحملة تستهدف التأثير في البنية الداخلية للمجتمع السعودي، بدليل السؤال الذي وجهته النيوزويك لسمو الأمير خالد الفيصل على نحو ما أوردت في الحلقة السابقة عن احباط يدعيه المحاور في المواطن السعودي، ويلمح إلى أنه عائد إلى أمور داخلية! ولهذا حديث آخر الأسبوع المقبل ان شاء الله.
|