Thursday 24th October,200210983العددالخميس 18 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الثقافة الإسلامية في المهجر الأمريكي الثقافة الإسلامية في المهجر الأمريكي
د. موسى بن عيسى العويس

ليس كالاغتراب ما يحفز على التجدد، ويدعو إلى الانفتاح على الحياة، والإفادة من تجارب الآخرين في صناعة أمجادهم، وللهجرات في حياة الشعوب بمختلف أجناسها، وتمايز ثقافاتها شأن كبير في إغناء التراث الحضاري، وتطوير المجتمع الإنساني، لإعمار هذه الأرض التي استخلفه الله عليها بكل ما أوتي من أسباب، فتعايش أقوام مختلفة على أرض واحدة لابد له بالتالي وفقاً لقوانين علم الاجتماع من أن يستتبع تفاعلاً في سائر مظاهر النشاط الإنساني، ويؤدي إلى تبادل ثقافي وتمازج فكري.
أقول هذا، وقد قدر لنا لسبب أو لآخر أن نتتبع تاريخ الهجرات في البلاد العربية، مستظهرين الأسباب والدوافع التي لا شأن لنا في عرضها هنا، ولعل من بين حركات الهجرة التي رصدها التاريخ هجرة طائفة من أبناء بلاد الشام في العصر الحديث إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية، فأسهموا في إنتاجهم الأدبي والثقافي إبان غربتهم في إبراز ذلك النموذج الحضاري الرائع الذي هاجروا به، وحاولوا ترجمة ما استصحبوه، فعاد بالفضل العظيم والخير العميم على الحضارة الإنسانية كلها من خلال تلك الصورة المشرقة للحضارة العربية والإسلامية التي نجدنا في أمس الحاجة إلى استدعائها في هذه الأيام التي يحاول فيها الأعداء إلى طمس الحقائق، وتشويه العقائد، لقلب الموازين.
تلك الصور المشرقة عن الحضارة الإسلامية التي أسهم في نقلها وإبرازها بعض أدباء المهجر غير المسلمين منهم، جعلت الرئيس الأمريكي يقول لجبران على سبيل المثال: أنت أول عاصفة انطلقت من الشرق واكتسحت الغرب، ولكنها لم تحمل إلى شواطئنا غير الزهور.
ويقول «جورج أمادو» أحد مثقفي الغرب: إن الدم العربي قد لعب دوراً من أبرز الأدوار شأناً في ديمقراطيتنا، وفي مساهمتنا بالثقافة العالمية، وفي نزوعنا الإنساني.
إن تلك الأدوار الثقافية الرائدة التي سطعت هناك، وحمل مشاعلها فئة من أبناء العرب، لم تكن لتصدر إلا عن إنسان محافظ، قوي الاعتزاز بأمجاده، شديد الوعي لتاريخه، وهي سمات توافرت في تلك الفئة المهاجرة التي كتبت بدمائه وعروقها فصولاً من حضارتهم، ولاسيما قد قيض لهم ماض زاهر، وتراث زاخر، وحضارة راسخة الأصول بوأتهم مكانة مرموقة في تاريخ الإنسانية، فكأنهم ببعثها قد استشعروا أهمية ذلك الموروث، قبل أن يسدل الستار عليه، ويمسي في طيات الأيام ترمقه الأجيال العربية هناك بحسرة وإكبار، كما هو مصير بعض الأمجاد الإسلامية والعربية.
ومما لا ريب فيه أن ذلك الموروث الثقافي الذي حمله المهاجرون العرب أوجد ضروباً من الصراع والصدام بين عقليتين متباينتين: عقلية الشرق بما فيها من روحانية وسمو، وعقلية مادية صرفة، فكان ذلك الأثر البالغ في البيئات الأجنبية، حيث كانت هناك نفوس أظمأتها المادة الجامدة إلى فلسفة الشرق الروحية، على نحو ما ذكرناه من قبل فيما ترجموه من التراث الشرقي إلى اللغات الأوروبية.
وحين استعصى أو كاد أن يلتقي الشرق والغرب في محيط الدين والسياسة، كان الالتقاء بين أصالة الشرق وفكر الغرب في رحاب الأدب، ولاسيما قد رفعوا شعار «ما تهدمه السياسة يبنيه الأدب».
ولعل أعظم ميراث ثقافي حملوه إحساساً وفكراً وثقافة لغتهم العربية التي أقاموا لها صروحاً أدبية وثقافية، في بيئة غربية لم يكن فيها للعروبة دولة تحميها أو سلطان يذب عنها، حيث نجد أدباءهم يشيدون بها في كل نادٍ، بوصفها لغة كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومعجزة نبيه صلى الله عليه وسلم، وملمحاً من ملامح شخصيته الفذة، وعبقريته الخالدة، كما أشار إلى ذلك جورج كعدي بقوله:


فأمة أنجبت في الكون أحمدها
يوم الكريهة لم ترهب أعاديها
وأمة نبت الإسلام معقلها
تفنى الليالي ولا تفنى مباديها
لنا كتاب ومن آياته انبعثت
نوارربك مثل الشمس تجليها
يحاول الغرب أن يطفي أشعتها
ظل العلوج سنطفيه وتطفيها

وليس من اليسير هنا أن نقف على تضمينهم واقتباساتهم آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، أو الأقوال المأثورة للصحابة رضوان الله عليهم، والتي تشي عن مبلغ اهتمامهم بهذه المصادر المقدسة.
ونالت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم من الاهتمام ما لم تنله شخصية أخرى، إذ رأوا في رمزه بطلاً قومياً أنقذ العالم من براثن الجهل والضلال، وأقام شريعة عصرية صالحة لكل مكان وزمان، تتلاشى أمامها جميع الاعتبارات الجنسية والعرقية والقومية، بل وتتسع لكافة الملل والنحل، فها هو «زكي قنصل» تستوقفه أحداث السيرة المحمدية، فيتناولها بتفصيلاتها، منذ نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى ما لاقاه من شدائد ومحن، ومشيداً بدوره الرائد في توحيد الأمة وبناء دولتها على أساس من العدل والإنصاف:


إني ذكرتك يا محمد ناشرا
روح الأخوة في بني غسان
وبنيت أعظم دولة نثرت على
قاصي الوجود صلاحها والداني

إلى أن يقول:


لو كنت تبغي أن تكون مسودا
جاءت إليك سيادة الأقران
يغريك بالذهب الوفير وكم عنت
للفلس من مهج ومن أذهان
فمحا جوابك والوقار خلافه
ريبا أثارت عاصف النكران

ويمضي في قصيدته معتزا بحضارة الإسلام، مشيدا بالنهج النبوي، حيث أضاء الدنيا بأكمل دين، وأتم دستور.
ويلتفت غير واحد من أدباء المهجر إلى الأحداث التاريخية زمن البعثة النبوية، ومن بينها حادثة الإسراء والمعراج، والمعارك الإسلامية التي خاضها مع صحبه، ويوظفونها توظيفا يتواءم مع الحاضر المزري الذي تعيش فيه أمتهم، فيشيدون بجيوش المسلمين، ويفتخرون بانتصاراتها التي خلدها التاريخ، ويتخذون من تلك الانتصارات أنموذجاً ودرساً للأمة، لتسطر على هدي من ذكراها مجدها من جديد، وتعيد قوتها في هذا العصر الذي تكالبت فيه الأعداء عليها، حتى هانت واستكانت، يقول أبو الفضل الوليد:


لقد كان جند الله أعظم عسكر
تسير به الخيل العتاق الصلادم
فمن يوم أجنادين والنصر بادئ
إلى وقعة اليرموك والفتح خاتم
تلاقت على أرض الشآم صفوفه
وقيصر فيها حائر متشائم
وقائعه في كل أرض وأمة
على السلم أعياد له ومواسم

ولم تكن شخصيات الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم بمنأى عن وجدان المهجريين، حيث وجدوا في رموزهم معيناً لا ينضب، ينهلون منه لرفد مشاعرهم القومية من جهة، واتخاذهم رموزاً لقيم العدالة والشجاعة، والورع والزهد، والتقوى والحكمة، والحلم والأمانة من جهة أخرى.
ويمثل هذا الاستدعاء للشخصيات الإسلامية التي غيرت مجرى التاريخ بنهجها دلالة على المفارقة بين الماضي بمجده، وبين الحاضر بوهنه، وهي مفارقة نفسية ليبرهن الأدباء على حتمية الرجوع إلى المنهج القويم الذي اختطه السلف، واستطاعوا على هداه أن يبسطوا دولتهم، وينشروا في الخافقين الأمن والسلام.
ومما كان له حضور عند أولئك الأدباء تلك القيم الأصيلة، و المبادئ السامية التي تشكلت منها الشخصية العربية، حيث نجد من «إلياس فرحات» ذلك النزوع نحو الشمائل العربية التي رسخها الإسلام في نفوس أتباعه، فسادوا بها قبل أن تسود لغة القوة:


وما أنا عبدالمال أبغيه مادحا
ولكنني عبدالعلا والمكارم
وخير العلا في مذهبي دفع ظالم
وإنصاف مظلوم وإنهاض ظالم

لقد كان من أثر الثقافة العربية والإسلامية التي تشربوها من الشرق أن رأيناهم يدعون في طرحهم إلى المحبة والتعاون، ويهتفون بالإخاء البشري، ويتغنون بأفراح الإنسانية، ويشقون لآلامها ومآسيها، وينقمون أشد الانتقام على شرورها ومظالمها، ويرتادون في سبيل إسعادها آفاق التأمل والمعرفة، ويقودونها إلى الحب والخير والسعادة والمساواة.
ولفلاسفة العرب والمسلمين الأثر البين في بعض القضايا الفكرية التي كان لها نصيب من نتاج المهجريين، حيث تجلى ذلك في رؤيتهم للأديان، وحقيقة الوجود، وطبيعة النفس الإنسانية وماهيتها، والحب بمفهومه الواسع، والطبيعة وأثرها في تشكيل تجاربهم، وفلسفة الحياة والموت، وما يكتنف مصير الإنسان في آخرته.
ومما يؤسف له أن ظلت الروابط الثقافية والأدبية، وما تمخض عنها من نتاج فكري وأدبي طي الإهمال من لدن بعض الدارسين في بعض الأقطار العربية والإسلامية، وذلك لأسباب عقدية وفكرية، ولم يلتفت إليها إلا في سنوات متأخرة بعد أن أوشكت تلك الروابط التي أنشئت هناك أن تتلاشى ويحيلها الزمن إلى ذاكرته، إما بسبب موت أعضائها، أو انفصالهم عن تلك الروابط التي آخت بينهم في تلك المطارح النائية، وإما لعودة بعضهم إلى بلاده بعد أن تقدمت به السن وألقى عصا الترحال.
(*) مدير مركز الإشراف التربوي بشرق الرياض

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved