Thursday 24th October,200210983العددالخميس 18 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الخطاب المتشدد وقابلية الكسر (2 - 2) الخطاب المتشدد وقابلية الكسر (2 - 2)
د. ناصر بن عبد الله الغالي

أجزم أن المرحلة الراهنة، والظروف الحالية تستدعي صياغة جديدة للتعبير عن الذات وعن القضايا القومية والمصيرية، وللخطاب العربي بأكمله، بل تتجاوز الحاجة الى صياغة جديدة لأنماط وطريقة التفكير. الحاجة تستدعي رقي صيغة الخطاب العربي التعبيري الى متطلبات القرن الحادي والعشرين بما فيه من تغير لموازين القوى، ولما فيه من تغير في قضايا الصراع والتعايش الحضاري، وبما فيه أيضا من تفوق ثقافي ومعلوماتي وتقني للطرف الآخر. وبما أن الحالة المعرفية والثقافية قد تغيرت عن ذي قبل، فان هذا التغير يستدعي تغيرا في الصيغة الخطابية المعبرة عن تلك القيم والأنماط والمعارف التي أصبحت تميل لصالح الآخر.
التشدد في صيغة الخطاب وفي صيغة التفكير التي أملتها مجموعة من العوامل أصبحت لا تصلح للتعامل ولا للتحاور مع الثقافات الاخرى. وحيث إن لا المرحلة الزمنية ولا الجوانب المعرفية ولا التشكل الثقافي يستقر أي منها على حال، وتأبى كلها ان تخضع لمنطق الركود والاستقرار فان من الضروري بمكان ان يخضع المنطق القولي، والتعامل الخطابي لنفس الظروف، وأن يتعرض هو الآخر لمقتضيات التغير والتطور، وبما ان لكل مقام مقالاً فان لكل زمان طريقة تعامل، وأسلوب خطاب.
التعايش الحضاري الذي نعيشه في هذا العصر يستدعي المجاراة في التفكير، والاعتدال في المنطق، والتسامح في أخذ المواقف، والتنازل لقبول رأي الآخر، فيما لا يتعارض مع قيمنا الدينية والثقافية والأيديولوجية.
صيغة التشدد لم تكن قيمة محمودة على مر الأزمنة، حتى سيف الله خالد بن الوليد المشهور بقدرته التكتيكية وفن التعامل والقدرة على تقييم المواقف، يعرف قيمة التنازل متى ما استدعت الحاجة لذلك، فها هو في غزوة مؤتة يلجأ الى اسلوب احتساب منطق الربح والخسارة، ويعوّل على مبدأ التنازل كأسلوب لجلب الأرباح فيؤمن انسحاب جيشه بعد ان رأى ما حل بالمسلمين وبقادة الجيش من دمار وتقتيل، هذا هو اسلوب وطريقة تعامل الرجل المتشدد في نظر عمر بن الخطاب الذي قال عنه:
«لو لم يكن في سيفه رهقا»، اذا كان هذا الأسلوب المتسم بقراءة المواقف، وتقييمه، والتعامل معه بحسب الحاجة، هو أسلوب من نعته عمر بالصرامة والشدة، فما هو حال من هو أقدر منه على ضبط النفس والتعامل الهادىء من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما الفارق بين الأسلوب المعتدل الذي تبناه الصحابة والسلف الصالح، وبين الأسلوب المعاصر المتشدد في تفكيره ومرتكزاته الأيديولوجية، وفي منطقه وأسلوبه الخطابي، على أنه الأضعف بل انه غير قادر على مجاراة غيره على جميع المستويات الحضارية والفكرية والثقافية والعسكرية.
يبقى القول انه من الضروري التأكيد على أهمية نبذ التطرف والتشدد في المواقف، وبالتالي وسيلة التعبير عنها، فالتشدد يلغي فرصة إعادة التفكير، ويلغي إمكانية الرجوع عن موقف، ويقود الى المكابرة التي تنتهي دوماً بخطأ فادح. تستدعي الضرورة أيضا الى تعلم استخدام خطاب لا يسجل موقفا متطرفا، والى خطاب يحتمل أكثر من تحليل، وأكثر من قراءة، نفسره حسب حاجتنا، وما يتفق مع مصالحنا، نشده حين تستدعي الحاجة، ونرخيه عندما تتطلب الظروف ذلك، ويبقى أخيرا القول ما أحوجنا الى ان نتبنى أسلوب أبي سليمان خالد بن الوليد في قراءته للمواقف، وما أحوجنا الى حكمة معاوية وقدرته الخارقة على التعامل مع الآخرين، وما أحوجنا الى شعرته التي لا تنقطع.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved