Thursday 24th October,200210983العددالخميس 18 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

رؤى بولندية: رؤى بولندية:
عولمة وأشياء أخرى «2»
د. سعد البازعي

لم يكن مؤتمر العولمة والهوية الذي شاركت فيه أثناء وجودي في بولندا خلال الشهر الأخير من سبتمبر الماضي مؤتمرا ضخماً فقد تشكل الحضور في المقام الأول من بولنديين ومعهم عدد متواضع ممن ينتمون إلى خارج بولندا، بل أوروبا كلها، وهم عدد محدود من الصينيين والهنود والعرب «مصري وسعودي».
ولعل حضور العدد القليل من غير البولنديين هو ما أعطى المؤتمر بعده الدولي الذي أنقذه من محدودية المحلية ليس على مستوى الجنسيات وإنما على مستوى الطرح أيضاً.
من زاويتي بدت لي قضية المؤتمر وهي تتخذ بعداً أكثر طرافة مما كنت أتوقع، فإذا كانت العولمة هي ما ينذر بالزوال أو بالتشويش نتيجة للاكتساح الاقتصادي والسياسي والثقافي الغربي المسمى «عولمة» فكيف لي أن أقرأ الحضور الثقافي العربي في بولندا، أقصد حضور اللغة العربية في ذلك الصقع النائي بالنسبة لنا من أوروبا؟ طبعاً هناك ما يبرر الابتسام شفقة لهذه المقارنة الظالمة بين الهيمنة الغربية والاهتمام البولندي باللغة العربية وما تحمله من ثقافة! ولست بطبيعة الحال بصدد مقارنة فانتازية كتلك. لكني لم أستطع كتم مجموعة من الأحلام والأحساسيس القومية بالكبرياء حين انبعثت فجأة وأنا أتحدث إلى الشابين مارك وآدم وهما يرحبان بي بلغة عربية فصيحة وسليمة إلى حد مدهش، بل وحين أخذا يحدثاني عن الأدب العربي القديم والحديث ويشكوان من قلة الكتب إضافة إلى انعدام المعلومات بكل ما يتصل بالثقافة المعاصرة في الجزيرة العربية.
هل أبالغ إن قلت إنها اللغة العربية بمخزونها العظيم تجد طريقها إلى العالم على الرغم من تواضع العرب المعاصر؟ أم لعلها الحاجة الاقتصادية والسياسية للتعرف على العالم العربي والمشاركة في شؤون المنطقة؟ أم أنه شيء من هذا ومن ذاك؟ المؤكد هو أنني فوجئت وسعدت بأنني ولأول مرة في بلد غربي أو أوروبي لا أضطر للاعتماد على الإنجليزية، بل وأجد فوق ذلك من يشاركني الاهتمام بالثقافة العربية وعلى مستوى شبان صغار السن من أمثال من ذكرت.
والشابان، كما أخبراني، يدرسان في المرحلة النهائية في قسم اللغة العربية التابع لجامعة وارسو، وحين سألتهما عن الدافع وراء تخصصهما «وهو سؤال يخفي ما يخفي من ضعف ثقة بالنفس وبالواقع العربي من جانبي، لأن الإنجليزي أو الفرنسي ليس بحاجة إلى طرح السؤال!» كانت إجابتهما لافتة للاهتمام وباعثة على الثقة. فقد قالا إنهما يتوقعان العمل في أي جهة حكومية أو تجارية ذات علاقة بالعالم العربي، لكنهما لم يكونا واثقين من ذلك، مما يعني أن غياب فرصة العمل المؤكدة لم يحل دون الدخول في معترك تخصص صعب وبعيد عن العولمة الغربية نسبياً.
وكان مما زاد من سعادتي بالشابين البولنديين، ويبدو أنهما متميزان حقاً على بقية زملائهما، أنهما قاما بإنشاء موقع على الإنترنت يعني بالشؤون العربية هو: www.arabia.pl. com ، كما عرفت منهما أنهما حريصان على زيارة الدول العربية كلما سنحت الفرصة، علما بأن الدخول إلى الكثير منها ما زال مستعصياً، فتمنيت لو أتيحت لهما زيارة المملكة، ولعل الفرصة تسنح لذلك في المستقبل القريب لهما ولأمثالهما من الراغبين في تعميق صلتهما بالعالم العربي.
لكن كان الأهم من ذلك هو حاجة الدراسات العربية ككل للدعم في بلاد مثل بولندا وغيرها من بلاد وسط أوروبا، مثل تشيكيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا، وغيرها.
ويبدو أن بعض الدعم الثقافي في طريقه إن لم يكن قد وصل فعلاً بفضل جهود مؤسسة الملك فيصل الخيرية ممثلة بسمو الأمير تركي الفيصل والدكتور يحيى بن جنيد، وكذلك السفير السعودي في بولندا، فقد علمت عن شحنة من الكتب في طريقها إلى هناك. فلعل ذلك يكون بداية تواصل ثقافي بتنا في أمس الحاجة إليه مع شعوب راغبة في مد الجسور وتوثيق الصلات على الرغم من كثرة المعوقات من سياسية وغيرها في عالمنا المعاصر.
وبمناسبة الإشارة إلى تشيكيا أود أن أضيف أنه كان لذلك البلد حضور مميز على هذا المستوى أثناء زيارتي. فقد التقيت بمستعرب تشيكي جاء ليشارك في المؤتمر البولندي وفاجأني بمعرفته باللغة العربية وببعض جوانب التاريخ العربي المعاصر، لم أتوقعه. أقصد بذلك الدكتور ميلوش منديل «هكذا كتب اسمه على بطاقته، أي باللغة العربية» الذي يعمل في جهتين أكاديمتين في جمهورية التشيك، فهو باحث في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم، كما أنه أستاذ مشارك في معهد العلم والدين التابع لجامعة ما زاريك. علمت من الأستاذ منديل، الذي يتحدث العربية بسلاسلة وفصاحة مدهشة، أنه يبحث في تاريخ الحركات الدينية في المنطقة العربية وعلى دراية واضحة بالتاريخ الحديث للعالم الإسلامي. غير أن الألم جاء من تلك الشكوى التي سمعتها من الرجل وهو يؤكد أنه سيكون على ما يبدو آخر المستعربين في المؤسسات الأكاديمية التي يعمل بها أو يتعاون معها، فمع ضغوط الوضع الاقتصادي وتضاؤل الدعم المالي صارت الدراسات المتصلة بالعالم الإسلامي في بلاد مثل تشيكيا أول الضحايا، فهل سيقيض لهذه من يمدها بالدعم أيضاً؟ أرجو ذلك. إن استعراض تاريخ العلاقات العربية البولندية يأخذنا إلى فترة مبكرة إلى ما يقارب القرنين تقريباً «ولربما كان هناك اتصال أقدم»، وكان ذلك بمبادرة من أحد أفراد طبقة النبلاء البولنديين، وذلك من خلال اهتمامه واهتمام الأوروبين إجمالاً آنذاك بأحد أهم منتجات الجزيرة العربية وهو الخيول العربية، بحسب ما جاء في تحقيق نشرته مجلة أرامكو الإنجليزية «نوفمبر/ديسمبر 2001» جاء الكونت فاكلاف رتزيفسكي إلى الجزيرة العربية في مطلع القرن التاسع عشر، أو قبل مائة وثمانين عاما تقريباً، للحصول على الخيول العربية التي كانت تعد أهم أعمدة التسلح آنذاك مثل الدبابات أو طائرات الآباتشي الآن بحيث أنها تضمن التفوق المباشر لمن يمتلكها. وحين حصل الكونت على ما أراد وعاد إلى بلاده ألف كتابا عن تلك الخيول وأنسابها بالفرنسية عنوانه: «حول الخيول الشرقية وتلك المنحدرة من النسب الشرقي». وما يزال الكتاب بشكله المخطوط موجوداً في المكتبة الوطنية بوارسو، وهذا عمل آخر ينتظر أحد المهتمين بالخيول العربية لتحقيقه وترجمته، وربما لتصوير المخطوط إن أمكن كخطوة أولى.
فالشابان البولنديان مارك وآدم هما إذن جزء من سلسلة من الاتصال الثقافي البولندي العربي الذي نتمنى أن يتوثق وينتشر ليعم أرجاء أوروبا كافة لاسيما في هذه الفترة العصيبة التي نمر بها والتي تتعرض فيها صورتنا الثقافية وقدرتنا من ثم على التفاعل مع الآخرين للكثير من الصعوبات.
والأمل في هذه الحالة هو أن تضطلع الطاقات المالية العربية، السعودية خاصة، بدورها المطلوب في دعم كل ما من شأنه دعم العلاقات البناءة بيننا وبين الشعوب الأخرى، في الغرب خاصة.
وفي تصوري أن إنشاء مؤسسة تتخصص برعاية العلاقات الثقافية مع دول العالم وتأتي روافدها من القطاعين العام والخاص سيكون إنجازاً مهما نواجه به النشاط التعصبي والعنصري اليهودي والمسيحي معاً، وندحض به افتراءاتهم على كل ما يتصل بنا وننتمي إليه من دين وثقافة وأوطان وشعوب.
وإن تعذر إنشاء مثل تلك المؤسسة فما أحرى المؤسسات القائمة مؤسسة الملك فيصل الخيرية ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، وغيرهما بالوقوف إلى جانب هذا النشاط بحيث يأتي منظماً وفاعلاً، ومشتركاً أيضاً. والمؤسستان المشار إليهما بالمناسبة تقومان بنشاط مميز على هذا الصعيد سواء باستضافة المؤتمرات المتعلقة بقضايا العلاقات الثقافية أو الحضارية أو بدعوة الباحثين الأجانب لإجراء دراساتهم في المملكة مع تقديم الدعم الكامل لهم، غير أن المزيد من هذا النشاط مطلوب دائماً، فالمهمة كبيرة والأحلام أكبر.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved