فمع كثرة التضمينات الشعرية المباشرة وغير المباشرة، من شعره وغير شعره، تندغم في تلافيف لغته وأسلوبه درجات متعددة من التناص. يبرز من بينها التناص مع آيات القرآن الكريم، والتناص خاصة أدبية عامة، لكنه بكثافته تلك وتعدده ذاك يشكل في نص علوان خاصية شعرية، بوصف الشعر «أخلص صورة لتجسيد الأدب»، حسب «تودوروف»1.
«ولكنه القلم..عصاي التي أتوكأ عليها، وأهش بها على.. ألمي!» (ص61).
«رب رجل هام على وجهه سنوات حتى استعاد حبه، ورب فتاة تدلت من شرفتها حتى صارت قاب قوسين أو أدنى من السقوط، ليخلو سبيلها مع حبيبها، وكلهم يظنونهم مجانين، ويرجمون سيرهم ومبدأهم، بينما ليسوا إلا {فٌتًيّةِ آمّنٍوا بٌرّبٌَهٌمً وّزٌدًنّاهٍمً هٍدْى}! كانت حلولنا أسهل بكثير مما وصل إليه غيرنا، ومع هذا تخاذلنا،.. وقفنا في منتصف الطريق، وقلنا لطالوت أن {لا طّاقّةّ لّنّا اليّوًمّ بٌجّالٍوتّ وّجٍنٍودٌهٌ } (ص200».
«نامت أروى في فراشي وسعيتُ أنا إلى يثرب!» (ص208».
«إنْ لم ترفع الوزر.. فلن تنقُضَ الظهرَ». (ص313».
«آن لهذا الحوت أن يلفظني عند شجرة اليقطين الآمنة!». (387».
وليس التناص بسوى أداة واحدة من أدوات الكثافة الشعرية في النص، تتضافر مع أدوات البلاغة الأخرى، التي تصنع لغة «سقف الكفاية» الشعرية. يقول عن «ديار» مثلاً:
«معجون بجنونه العربي العريق، أباً عن جدّ عن
حجّاج! جامحٌ مثل خيول التتار التي بدأت مسلسل
الموت في تلك الأرض، ومندفعٌ.. مثل العرقين النافرين
الممتدين في جبهته! هذان اللذان يحلو له أن
يسميهما.. دجلة والفرات.. وأنا يروق لي أن أرى رجلاً
يحمل وطنه.. في جبهته! وليس النهران فقط، إن
جغرافية وطنه كلها تتجمّع في شخصه، وهو الذي يشقّ
الأشياء من المنتصف كما يفعل دجلة، ويفيض ويتراجع
كما يفعل الفرات، ويتوعّر مثل جبال الشمال، وينتصب
صموداً كنخيل البصرة، ويركد أحياناً ركود الأهوار،
وينبسط كحقول جيكور، ويحزن.. كحزن كربلاء!»
ومن خاصيات الخطاب الشعري كذلك: التكرار، بما يحدثه من إيقاع، فلو استثني النظر إلى النصوص الشعرية، المنظومة أو التفعيلية، ولو استبعدت معها ظواهر التناص بما تحفل به من هذه الخاصية، فإن ظاهرة التكرار ستظل تنتظم أسلوب النص كله، لا تكرار الأفكار والصور فحسب، ولكن أيضاً تكرار العبارات والجمل، بما يولده كل ذلك من تناغم موسيقي وما يرادفه من توازن إنشائي وتناظر بنائي.
(ينظر مثلاً: علوان، 201 202، ومواطن أخرى كثيرة من نصه):
أي رجل في الدنيا يحلم بامرأة
كما أحلم بك أنا؟ ينام ويصحو على
أمل.. ويأس، ويظمأ ويروى بذات الكأس
وأنا.. يحترق جفناي هنا
كأن على كل جفن جمرة، وأنت صباحي وممساي «وكان يمكن هنا مثلاً أن يقول: «ومسائي»، لولا حرصه على النظم والتنغيم»، مماتي ومحياي، وآخرتي ودنياي..» (ص198).
كنت كريمة في الحب كعادتك، سخيةً في الوصل كعادة إلحاحي!» (ص208).
وهكذا وهكذا.. يمضي نسيج النص كله. والتكرار والتوازن يتكثف حضورهما عادة في اللغة الشعرية بدرجة فارقة جداً عنهما في النثر، ليمثلا مرتكزين من المرتكزات التقنية الفنية الخاصة بالشعر.
وما تلك البنية الموسيقية التي جاء التكرار والتوازن كبعض أدواتها - إلا جزء من البنية الشعرية، التي يحدث الشعر من خلالها غنائيته النفسية وتموجاته الحلمية وقفزاته الذهنية:
«حاولت أن أكره بعض تصرفاتك الخادشة جدران الذاكرة، جمعت كل ما آذيتني به طيلة أشهرنا الأربعة عشر، علاقتك الماكرة بسعد، حبك القائم لحسن، خيباتي الكبيرة عندما أطلقتِ عليّ عيارك الناريّ الشهير: «لست إلا مثلهم»، و ارتماؤكِ في أحضان سالم بعد ضجة الحب معي، ثم أخيراً.. هذا الوفاء الوضيع الذي لم يستح أن يأتي بعد أربعين ليلة!..» (ص27).
تلك البنية التي إذا توحد فيها المستويات الصوتي والدلالي كان القارئ أمام نمط شعري كامل. ذلك أن أنماط الشعر حسب «جان كوهن»2 من حيث اتكائها على مستويي الصوت والدلالة هي على التصنيف التالي:
الجنس الصوتية الدلالية
1 قصيدة نثر +
2 نثرمنظوم +
3 شعر كامل + +
4 نثر كامل
ونص علوان يتكئ على البعدين الصوتي والدلالي معا. الأول من خلال الأوزان الشعرية والتفعيلات والتكرار والتناغم اللغوي والأسلوبي، والآخر من خلال الانزياحات الشعرية التي تصاحب كل عبارة:
«الأقلام التي تأخذ رؤوس أحزاني وتكمل البكاء وحدها على الأوراق هي أقلام تعودت على شكل يدي، تعودت على نوع كلماتي،.. لا أحب الكتابة الثديية، تلك التي تلد وتهتم بصغارها!» (ص9).
«كم يؤرقني هاجس الرتابة، أنا الذي لم أكتب رواية في حياتي، لأن حبك الكبير هذا، حبك القاهر هذا، ما مرّ عليّ مثله من قبل، ولم تقف عليه حدود مخيّلتي العذراء، ولا شغاف قلبي البكر، ولم تتورد في فمي حلمة حبٍ قبله أبداً!» (15).
«هل سمعوا حفيف حنيني، وخشخشة أفكاري، وضوضاء قلبي؟!» (ص208).
«العجوز الطيبة تتسلّل إلى مكان البرودة، تمسح على وجعي برفق، وتنسج معي غطاءً لعورة جرحي، أتدفأ به عندما تنفض الحمّى عظامي، وتحكّ عصا الذكرى صخرة الماضي، فتنتشر من تحتها العقارب والحشرات.. تأكل مني!» (122 222).
«أجرب المشي بحذاء أفكاري كي تهترئ الأفكار، حتى إذا عدتُ إلى البيت، لا تنتصب مرةً أخرى على فراش أرق». (ص232).
«الأحزان هنا شيوعية! تُجمع أولاً.. ثم تُوزّع بالتساوي على الجميع، ليحمل الأرمل المفجوع هما يساوي همّ التعس الذي داس على رباط حذائه في الطريق، ويشرب العاشق المدله من دموع الألم الثكلى، ويتكئ الوحيد المشرد على جدارٍ كَتَبَ عليه أحدهم حكاية المنفى! وعند منتصف الليل.. تنزل النجوم مع نُدَف الثلج.. لتأخذ همومهم إلى السماء!» (ص235).
ومن هنا فإن «سقف الكفاية» حسب نظرية كوهن يتجاوز قصيدة النثر، والنثر المنظوم ناهيك عن النثر الصرف إلى ما يشبه الشعر الكامل. وعليه يصح أن يكتسب صفة «القصيدة». أو هو بالأحرى نص حائر بين القصيدة والرواية، يحق له أن يزدوج في تسميته ازدواجه في هويته، ليتخذ اسم «القصيدة الرواية».
وفي المساق الآتي تحليل لرسم الشخصيات وتعدد الأصوات في «سقف الكفاية».
إشارات:
1- تودوروف، تزفيتان، «1990»، الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، «الدار البيضاء: دار توبقال»،12.
2- انظر: كوهن، جان، «1986م»، بنية اللغة الشعرية، ترجمة: محمد الولي ومحمد العمري، «الدار البيضاء: دار توبقال»، 11 12.
(*) آداب جامعة الملك سعود قسم اللغة العربية
|