Thursday 24th October,200210983العددالخميس 18 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مع عبدالرحمن بدوي في باريس... وفي غيرها مع عبدالرحمن بدوي في باريس... وفي غيرها
عبدالسلام العجيلي

دأب صديقي الأديب المصري الكبير الأستاذ وديع فلسطين على تزويدي بملء مظاريف عديدة من قصاصات الصحف المصرية المختلفة المحتوية ما يظن أن معرفته تهمني من أخبار توردها تلك الصحف في كل يوم، والأخبار التي تهمني هي بالطبع تلك التي تتعلق بالأدب والطب والسياسة بصورة خاصة، وقد حفلت مظاريف الأسابيع الأخيرة من القصاصات بالكلام الذي يدور حول الأديب الفيلسوف والمفكر الراحل الدكتور عبدالرحمن بدوي بعد انتقاله الى رحمة الله في الخامس والعشرين من شهر تموذ الفائت، وقد حرص الأستاذ وديع على أن يطلعني عما يكتب عنه لمعرفته بالعلاقة التي ربطتني بالبدوي والتي نشأت منذ بدء الخمسينيات أثناء لقاءاتنا الدورية في بلدان أوروبا، أنا في زياراتي السياحية المتقطعة لتلك الديار وهو في زياراته الدراسية وعمله الوظيفي ثم في اقامته الدائمة فيها.
وقبل ان تحفل صحف مصر بالكلام عن عبدالرحمن بدوي بعد مغادرته دنيانا حفلت، منذ عامين أو ما يقاربهما، بالكلام عنه بمناسبة صدور مذكراته الشخصية أو سيرة حياته في كتابين، يفوق عدد صحفات كل منهما الأربعمائة، أثار صدور تلك السيرة كثيرا من النقاش والجدل لأمور كثيرة وردت فيها، ولاسيما للنقد القاسي الذي ساقه صاحبها لشخصيات متعددة في ميادين العلم والفكر والسياسة كان بعضها في تقدير الناس في منازل سامية ومكرمة، هاجم عبدالرحمن بدوي في مذكراته أشخاصا مثل عباس محمود العقاد وأحمد أمين في الميدان العلمي والأدبي هجوما قاسيا في علمهما وفي خقلهما، كما هاجم في الميدان السياسي جمال عبدالناصر والعديدين من رجال عهده في مباشرتهم أعمالهم وما أوصلوا بلادهم اليه من أحوال. لم يسلم من لسانه اللاذع والحانق إلا رجل واحد، هو أستاذه الشيخ مصطفى عبدالرازق، وحتى طه حسين الذي يحمل له بدوي تقديراً كبيرا لم يسلم من اتهامه له بأنه كان يشي للسلطة حين كان عميداً لكلية الآداب، بأسماء المعارضين من الطلاب في كليته.
أعود الى علاقتي الشخصية بالدكتور بدوي، قبل أن نلتقي عرفته من قراءة بعض كتبه الكثيرة والمتنوعة في مواضيعها وفي صيف عام 1951 كانت زيارتي الأولى لباريس فالتقيت به فيها في معاهد الحي اللاتيني ومرابعه التي كان يتردد عليها الطلاب والمثقفون من كل أنحاء العالم، وجمعتنا معا بصورة خاصة صحبتنا للصحفي المغامر والمشعبذ المشهور يونس بحري، مذيع راديو برلين أيام الحرب العالمية الثانية وصاحب المغامرات التي تفوق وقائعها خيال المتخيلين، كان يونس بحري آنذاك يقيم في باريس ويصدر فيها جريدته الأسبوعية «العرب» التي يتحدث فيها عن القضايا العربية وعن الشخصيات العربية التي تزور العاصمة الفرنسية، كان كسابا وهابا،، يسخر جريدته لابتزاز المثرين وذوي المناصب العالية في كل البلاد العربية وينفق ما يحصل عليه منهم على أصحابه وزواره، فيولم لهم ولائم يطبخ فيها بيده الأطعمة الشرقية التي كان يحسن طهوها وإعدادها، وكنا أنا وعبدالرحمن بدوي كثيري التردد على مكتب جريدته في شارع فيفيين وعلى شقته في شارع كوبيرنيك، كما كان هو كثير التحدث عنا في صفحات تلك الجريدة، كان حديثه عنا في غالب الأحيان دعابات يسعى بها الى الايقاع بيننا وزرع خصام ينتهي دوما، كما كان يقول في جريدته بمأدبة مصالحة تقع على عاتقي أنا، لأن الدكتور بدوي لا يقترب منه في هذا المجال، كما كان يقول في الجريدة أيضا.
وواضح ان ما كان يدنيني من عبدالرحمن بدوي، عدا تقاربنا في السن، هو ارتباطنا بالثقافة قبل كل شيء، على أن نوعية هذا الارتباط كانت مختلفة عندي عما هي عنده، كانت اقامته في باريس للدراسة والبحث وإعداد المؤلفات، فكان يقضي سحابة نهاره في المكتبة الوطنية، في مقعد فيها يكاد يكون مخصصا له وحده، أما أنا فقد كان قصدي في زيارتي الأولى لعاصمة فرنسا، وقد طالت إلى نحو ستة أشهر، التعرف على الحياة في البلدان الأوروبية من كل وجوهها، والأدب والفن والعلم بعض تلك الوجوه، كانت متابعتي للأدب والفن متابعة هاو أكثر منها متابعة محترف، على عكس متابعة بدوي لصنوف الثقافة المتعددة، وحين كنا نلتقي كنا نتصرف إلى التملي فيما تعج به باريس من متع أكثر من انصرافنا إلى الأحاديث في القضايا الثقافية، وإن كنا نعرج بين الحين والحين على هذه القضايا في تعليقات أو في أشعار ضاحكة تذكرنا بأننا لا نستطيع أن نتخلى عن تكويننا الأدبي والفكري.
ومثل هذا الاختلاف بيننا في ارتباطنا الثقافي كان ثمة اختلاف في بعض طباعنا وأحوالنا النفسية، كان هو دائم التجهم والعبوس، سريعا إلى انتقاد من لا يعجبه أو ما لا يعجبه بينما كنت أنا متساهلا في أكثر الأحوال، دائم الابتسام وسريعا إلى الضحك، طبعه الصارم والجاد يدعو إلى تباعد من لا يعرف منزلته الفكرية وصدقه واستقامته عنه، وحتى إلى النفور من صحبته، وكان يتهم بالحرص، وأكثر حرصه يرجع إلى دقته في المعاملة، في مدريد مثلا، كان يعيب علي نزولي في فندق متوسط الدرجة بينما كان هو يختار لنزوله فندقا فخما رفيع المستوى، ومع ذلك فحين عرض علي أن يشتري هو الدولارات الأمريكية التي كنت أريد تبديلها ببيزيتات إسبانية أخذ القلم والورقة وراح يحسب ويكتب مستعينا بقائمة أسعار العملات في الجريدة التي كانت في يده، قال لي بعد أن أنهى عملياته الحسابية إن دولاراتي تساوي كذا من البيزيتات، وإنه سيخصم منها اثنين في المائة هي أجرة الصرف! كانت كلمة مضحكة منه، ولكنه قالها بكل جد، كما أملاها عليه طبعه الدقيق في التعامل حتى مع أقرب الناس إليه.
هذه الشهرة له بالحرص هي التي ساقت كثيراً من أصدقائنا إلى استغراب ما نقلته من حفاوته بي حين زرت القاهرة في منتصف الخمسينيات الفائتة، حين قادني إلى قهوة غروبي وعرفني على توفيق الحكيم الذي كان جالسا على إحدى الطاولات بمفرده ساكتا ساهما، ثم إصراره على أن نتناول الغداء معا في أحد المطاعم الممتازة، وكذلك إكرامه لي بما يشبه ذلك حين التقيت به في العاصمة السويسرية برن، عندما كان ملحقا ثقافيا في السفارة المصرية آنذاك، وأكثر من هذا كان يخصني باحتماله دعاباتي الساخرة في حين كان يقابل بالنزق والثورة كل من يتجاوز حدود التقدير والتوقير في معاملته أو محادثته، في إحدى مقالاتي الضاحكة أتيت على ذكره قائلا: إنه صديق الدكتور بدوي مؤلف الكتب الكثيرة العدد القليلة النفع! قرأ ذلك المقال وعاتبني بلطف وهو يقول: يا أخي الدكتور، تعرف أني أستاذ جامعة، لي تلامذة يوقرونني وزملاء يقدرونني.. أرجوك ألا تتحدث عني بما ينزل من قدري عندهم أو يطمعهم بي.
وقد أشرت إلى تجهم الدكتور بدوي الذي كان يبعد عنه من لا يعرفه حق المعرفة في مجالسنا المشتركة ويصرفه عنه إلى غيره من الجلوس، وقد كان هذا مبعثا لمداعبات كان يطلقها على البدوي يونس بحري في جريدته أحيانا وفي اجتماع شلتنا دوما، مثال من ذلك هذه الفقرات التي كتبها يونس عني وعنه في مقال له في ذات مرة كتب يقول:
«كنا مرة نسمر في ملهى الكتيبة العربي في الحي اللاتيني وكان الدكتور عبدالرحمن بدوي، وهو اليوم من أعضاء لجنة الدستور في القاهرة، يصحب إحدى صديقاته وهن كثر.. وكانت الصديقة سويدية لا تعرف إلا لغتها ولغة جون بول.. وراح الدكتور العجيلي يلاطفها بأسلوبه التقليدي المعتاد، وهو تصوير الأوانس اللواتي يريد ايقاعهن في حبائله.. وجاءت صورة الآنسة السويدية طبق الأصل، وطلبتها الفتاة الساذجة منه فأعطاها إياها بعد أن خط عليها اسمه وعنوانه ورقم التليفون، والساعة التي سيكون فيهار غدا بالكتبية، شكرته الفتاة التي وضعت الصورة في حقيبتها، وشكره الدكتور بدوي على أريحيته، وشكرناه نحن جميعا على شهامته العربية، كيف لا وأن الرقة بلدته معدودة من أشهر مقال فرسان دولة بني حمدان.
وفي الليلة التالية قصدنا الكتبية كالعادة فوجدنا الدكتور العجيلي وإلى جانبه سويدية البدوي وهو يطارحها الغرام.. وإن هي إلا لحظة حتى دخل البدوي وهو يترنح، وبص فيلسوفنا الى ما أمامه فرأينا الدنيا تسود في وجهه، وجلس الى جانبي وهو يحرق الإرم غيظا ويلعن الساعة التي تعرف فيها على هذا الطبيب الذي يعكر صفو الصداقة ويعتدي على صديقات الغير.. الخ».
هذا بعض ما جاء في مقال يونس بحري الساخر، وأنا لم أتحرج في التطرق الى هذا الموضوع لأني رأيت الدكتور بدوي نفسه روى أمثاله في مذكراته التي تحدثت عنها آنفا، وعلى أن يونس لم يكن دقيقا في رواية واقعة الكتبية هذه فإن خبرها شاع بين أصحابنا في باريس وأكثروا التحدث فيها، وكنت بعدها تركت العاصمة الفرنسية عائداً إلى بلدتي الرقة، وفي إحدى رسائلي التي أرسلتها الى يونس بحري وشلته في باريس، وقد كتبتها بأسلوب المقامات، رويت الواقعة شعراً على لسان البدوي، قلت في تلك المقامة على لسانه، معارضاً معلقة عنتر بن شداد الأبيات التالية:


ولقد شربت من الزجاجة بعدما
ركد الهواجر بالمشوف المعلم
في الكابولاد وفي جواري غادة
من أهل إسوج عذبة المتبسم
رقيتها بالفلسفات لعلها
تحنو على أنات قلبي المغرم
أتلو لها الإنسكلوبيديا كلها
ومقالتي سارطون في ابن الهيثم
حتى إذا لعب الغرام بعطفها
وغدت مطاوعة بليت بأرقم
بادي التصعلك في الفرات معوّد
أن يستبيح سبيل كل محرم
فمضى يعانقها اللعين ولم أنل
منها سوى إيماءة وتبسم

ومثل مداعبتي الشعرية هذه للدكتور بدوي كان هو ينظم عني أبياتا يداعبني بها، وأروي هنا بعض ما وجهه إليّ من قريض في تلك الأيام متمثلا في الأبيات التالية، التي ذكرني بها وأملاها عليّ في آخر لقاء لنا في باريس في صيف عام 2000م بعد انقطاع عن تلاقينا دام سنوات عديدة.
كان هو قد استقر في العاصمة الفرنسية في ما يفوق عشرين عاما هي الأخيرة من عمره، مقيما في فندق لوتيسيا المشهور، وقد بلغني عنه من بعض معارفنا انه عاتب علي لأني أزور باريس بين سنة وأخرى ولا أمر عليه في فندقه، فلما توقفت في باريس لأيام قليلة منذ عامين سعيت إلى رؤيته فوجدته قد تغير تغييرا كبيرا، ولعله هو وجدني قد تغيرت مثله، تذكرنا أيامنا الفائتة وأصحابنا القدامى، بين راحلين وأحياء، وحكاياتنا المشتركة في تلك الأيام ومع أولئك الأصحاب، وأعاد عليّ قراءة أبيات كان كتبها لي حين عدت أنا إلى الرقة وبقي هو في باريس، وفيها يقارن بين البؤس الذي أعيش فيه أنا في بلد متخلف وفي معالجة المرضى وبين النعيم الذي يعيش هو فيه، ولما كانت تلك الأبيات قد أنمحت من ذاكرتي فقد أملاها عليّ من جديد، وهي التالية:


يا أخا الرقة هل رق على البعد الوفاء
أم هي الرقة بالفتح، فلا تنس الهجاء
أم هي الحسرة نابتك على فوت اللقاء
أين ميزو والليالي الحمر دون الرقباء
من سليمى وخوار العجل يتلوه العواء
أين مركيزو ووجوه الغيد صبحا ومساء
من علاج القيح والسل والداء العياء..

ومركيزو الذي يذكره هو المقهى الذي كانت شلتنا تتردد عليه في جادة سن ميشيل في الحي اللاتيني، وميزو هي نادلة ذلك المقهي، فارقته بعد ذلك اللقاء على أن أعود إلى رؤيته في السنة القادمة، إلا أن زيارتي التالية لباريس في عام 2001م كانت مع الأسف من القصر بحيث لم استطع البر بوعدي له، راجيا أن أزوره في هذا العام الذي نحن فيه اليوم، ولكن القدر سبقني، فقد أصابته نوبة صرعته بينما كان يتمشى في أحد شوارع باريس، ونقل بعد أيام إلى القاهرة حيث وافاة الأجل، رحمه الله.
هذه بعض ذكرياتي، التي أستطيع ان أسميها ضاحكة، عن هذا الراحل الكبير الذي أثار حوله ألوانا من الضجيج حيا وميتا، سينمحي ذلك الضجيج، بخيره وشره، في الأيام أو الأعوام القادمة، ولكن الذي لن ينمحي والذي يبقى في ذاكرة الزمن وفي وعي المثقفين من عبدالرحمن بدوي هو ثمرات جهوده الجبارة في الابداع الفلسفي والأدبي، وفي الترجمة والتحقيق، التي احتوتها مؤلفاته، وقد أنافت في العدد عن المائة والعشرين، هذا هو الذي يبقى ويستمر، والذي يهم ويفيد.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved