ما الذي يحدث في المشهد الروائي السعودي، وما سر الإصدارات الأسبوعية المتسارعة، لماذا هذا الاهتمام الإعلامي، وما الذي يدفع النقد «الأكاديمي خاصة» لمتابعة آخر الإصدارات؟
كل الأسئلة السابقة وغيرها كثير تدفع المتابع لحركة الأدب السعودي إلى البحث في الظاهرة اللافتة للنظر التي تبدت من خلال مظاهر متنوعة..
إذ لا يمر أسبوع دون أن نسمع بصدور رواية، ولا يكاد ينقضي أسبوع آخر قبل أن نقرأ عن نية أحدهم بإصدار رواية الشعراء، وقاصون وباحثون وكتاب جدد يتجهون إلى هذا الحقل المدهش.. ولو نظرنا بعين الموازنة إلى ما صدر عبر تاريخ الرواية الفنية السعودية لوجدنا أن ما صدر في السنوات الأخيرة يكاد يعادله.
ما الذي يجعل قاصاً كتب عدداً من المجموعات وعرف بها يلجأ للرواية؟ بغض النظر عن أن البحث في تاريخ قاصي البلاد العربية، والعالم يكشف عن أن معظمهم يكتب الرواية والقصة معاً.
ولم يقف مسعى الروائيين عند هذا الحد بل باتوا يبحثون عن دور نشر ذات سمعة مرموقة؛ إذ إن معظمهم ينشر في «الجمل والكنوز والمؤسسة العربية والساقي..».
ولاندري أهي الرغبة في الانتشار فقط أم أن الأمر يعود إلى أسباب رقابية مع أن معظم الروايات تدخل المملكة؟
في الحالين معاً ثمة مسعى حثيث للهروب من النشر في دور محلية ربما أحد أسبابه انشغال معظم هذه الدور بنشر كتب ذات اهتمام معين يحقق لها مكاسب لن تحققها رواية يطبع منها ألف نسخة نصفها يوزع إهداء..!
ولو وازنا ما يحدث في المملكة في هذا المجال مع ما يحدث في بعض البلاد العربية الأخرى «سورية مثلاً» لوجدنا ما يشبه هذه الحالة مع أن حركة الأدب هناك ذات تقاليد أكثر رسوخاً، لكن معظم الكتاب السوريين أعياهم عدم الانتشار الذي وقعوا فيه نتيجة نشرهم في دور محلية، أما كثرة الإصدارات فمتشابهة وإن كان الجنس الأدبي مختلفاً «صدر في سورية عبر ستين عاما حوالي 500 مجموعة قصصية وصدر منذ عام 1990 إلى 2000 خمسمائة مجموعة أيضاً».
إن المثال السابق لا يسعى للتبرير بقدر ما يحاول تفسير الواقع بالموازنة مع تجارب الآخر.
وها هنا نتساءل عن الدور المنتظر من فن الرواية وما هو الإغواء الذي تشكله للكتاب؟ ما الأسرار التي اكتشفوها فيها؟ وما هي الفتوحات القادمة؟ ربما تكون الرواية مجالها أوسع وتحليلها للظواهر أعمق، والاهتمام بها أكبر، ولكن ماذا بعد ذلك: ألأنها حقل يعد بكرا إلى حد ما إذا ما قورن بالقصة والشعر؟
من هم الكتاب الذين تركوا بصمة فنية ابتداء ب«دمنهوري والناصر؟» هل اكتشف الكتاب أن الحل لمثل أحوالهم بالسرد؟
وبعيدا عن خصوصيات فن الرواية وما يتيحه للكاتب.. لنتساءل عن التغيرات الحاصلة في حركة المجتمع السعودي التي أدت إلى التنبيه للرواية وخصوصياتها، ودفعت كل أولئك الكتاب لتسخير طاقاتهم لها!
أيمكن أن نعد التنبه لبنية المجتمع وما حدث فيه من تغييرات في العقد الأخير سببا في ذلك؟
وما الأسباب الاقتصادية الكامنة خلف الموضوع؛ هل للبنية الاجتماعية والطبقية أثر في ذلك؟
ربما هنا يبرز دور النقد وألا يكتفي بالمتابعة؛ بل يحاول أن يحلل الظاهرة أقول «يحلل الظاهرة» لا يسفهها ولا ينفخ فيها، ومع النقد يبرز دور الإعلام الذي احتفى بالظاهرة ورصدها وسعى لتحليلها؛ ودعا الباحثين لقراءتها وأفسح صفحاته لمقاربتها، وهذه علامة تسجل للصحافة السعودية التي وقفت موقف المتابع المشجع، ولم تأخذ دور «الندابة» أو «القامعة» لهذه الظاهرة، وهي بفعلها هذا إنما تقوم بدورها الصحيح الذي يترك للظاهرة ما دامت حسناتها أكثر من سلبياتها حق الحياة والنمو..
** والبحث في حيثيات الظاهرة يدفعنا للتساؤل عن هذا «الزحف الروائي» هل واكبه «تراجع شعري» بخاصة أننا اعتدنا في المشهد الأدبي العربي ألا نقرأ الأشياء دون تفكير «بالمؤامرة الإبداعية» فتقدم جنس أدبي كالرواية يجب أن يرافقه «تراجع في جنس ما».. والعين ترف غالباً نحو الشعر بخاصة أن السؤال عما يدعى بديوان العرب وتغيره يستنزف الكثير من الأفكار: هل بقي لنا ديوان؟
ولا نريد أن نسير في حقل: متى كان لنا ديوان وهل ستمشي أحوالنا دون ديوان وهل للأمم الأخرى ديوان؟
إن الحديث عن تراجع شعري يستحضر معه حديثا عن وجود «تقدم شعري سابق»، وعن وجود أجناس أدبية قارة في حركة المجتمع لها حضورها، والحق أنه صار من الصعوبة بمكان الحديث عن دور للأدب المقروء في حركة المجتمع العربي بعامة إذا تذكرنا الأثر «المرعب» للمحطات الفضائية والإنترنت التي باتت تسهم في تربية الأجيال الجديدة أكثر من إسهام الأسرة في ذلك كما يرى باحثون متخصصون.. وربما لوسائل الإعلام هذه أثرها في هذا «الغليان الروائي السعودي» إذ إنه سرع عملية الاحتكاك بالآخر عربياً وعالمياً، ولم يعد أي إنسان بمنأى عما يحدث في مختلف أنحاء العالم على الصعد جميعها..!
** ولا نريد الذهاب إلى أبعد من ذلك في إثارة الأسئلة لتحليل الظاهرة الكمية في الرواية السعودية سواء تعلق ذلك بحركة المجتمع أم بأثر الآخر أم باللهاث عند الكتاب الذي ربما يحمل في طياته الحرص على السير في «القافلة العربية» التي توجه اهتماماتها الرئيسية منذ فترة ليست بقصيرة نحو الرواية مع أن الغرب بات يدعو إلى «النص المفتوح» والسعي لإلغاء «التجنيس» بعد أن مل مجتمعهم من التسميات والحدود، وبات يبحث عن فضاءات جديدة تكسر الملل المتسارع إلى نمط حياتهم الذي يرجع إلى أسباب كثيرة لسنا في صدد الوقوف عندها ها هنا..
وأمام تشجيعهم لروح المغامرة والإتيان بالجديد بات اللهاث خلف التجديد مطلباً حياتياً قد يجلب كل شيء لمن ينجح فيه مع التنبيه إلى أن هذا في حياتهم وليس في حياتنا يستند على مقومات فلسفية ليست بعيدة عن روح مجتمعهم..
ولا تفوتنا الإشارة التأكيدية إلى تلك المتابعة النقدية الحثيثة إعلاميا وأكاديمياً إذ إن الشكوى التي غالباً ما تلصق بالنقد الأكاديمي من حيث تأخره عن رصد ما يدور في حركة الواقع تغيب ها هنا؛ إذ يسجل لأكاديميون المتابعة والرصد والتحليل «زياد الفيفي الغذامي المناصرة القحطاني..» وبدا ها هنا أن العلاقة بين الإبداع الروائي ونقده علاقة مثمرة؛ إذ إن تلك المطالعات غالباً ما هربت من الأحكام النقدية القطعية، وحاولت الاستفادة من المناهج النقدية الحديثة، وتحليل الروايات من مكوناتها، وليس من عناصر نظرية تمت دراستها ذات يوم، وتواكب هذا مع حرص بين على التحليل أكثر من الحرص على سواه وأتوقع أنه ستصدر كتب عديدة حول الرواية السعودية الحديثة في السنوات القادمة.
وكل هذا طبيعي إذا تذكرنا أن بعض الجامعات العالمية تخصص أقساما لدراسة الأدباء الأحياء، وهذا له حسناته المتمثلة بامكانية استفادة الأديب مما يقال عن تجربته وامكانية تطويرها؛ ولاسيما إذا تم تعامل النقاد مع النصوص على أنها حلقات في تجارب كتابها فالنص الذي يصدر ليس المنجز الوحيد للأديب؛ إذ يمكن أن تتبعه نصوص أخرى أكثر نضجاً وأعمق رؤية، ويخشى ها هنا من الأثر الكابح للنقد؛ إلا أننا يمكن أن نطمئن في ضوء ما قرأنا على الأثر الإيجابي للنقد في قراءة التجربة الروائية السعودية لأن معظمه كما أشرنا قبل قليل يتخذ من التحليل مسعى نبيلاً لمقاصده، وينأي عن التعميم والتقزيم.
**أخيراً إن الروائيين السعوديين والنقاد معنيون بالإجابة عن سؤال يشكل مدخلاً لرؤيا أوضح، وهو هل هذا الكم من الإصدارات تراكم أم تنام في تاريخ الرواية السعودية؟
وفي باب الإجابة أقول: إنه يحقق الغايتين معا الآن قراءة تاريخ أي جنس أدبي في أي بلد يكشف عن مثل هذه الظواهر التي تحمل أنماطاً متعددة ليس بالضرورة أن تحقق كلها النجاح نفسه، ولنأخذ حركة الشعر العربي وما حدث من «فورة شعرية» إبان العصر العباسي!
وفي متابعتي لأجوبة بعض الروائيين السعوديين وجدت أن بعضهم «كل من موقعه» راح يأخذ دور «المعلم» الذي يرى في هذا الكم عاملاً سلبياً، في حين أن آخرين جددا يريدون أن يثبتوا أقدامهم يرون فيه عاملاً إيجابياً. والإجابتان ليستا بعيدتين عن المراد، ولن توقفا هذا المد في تأليف الرواية الذي تدخل فيه عوامل كثيرة يمكن التأني في قراءتها لاحقاً..
(*) ناقد وقاص أستاذ الأدب السعودي والنقد الحديث في كلية المعلمين بتبوك |