إيه يا «أمل»، وأنتِ تطرقين باب أمومتي في دياجير ليلكِ، فلا أملك لكِ سوى مصباح واحد أحمله إلى ليلكِ كي تبصري وجهتكِ، وتلتمسي دربكِ..
وأنتِ تهرعين إليَّ وقد فتَّ الخوف في أعصابكِ، ومزَّق الهمُّ تفاصيلكِ.. فلا أملك لكِ إلاّ الكلمة الطيِّبة تعيد لكِ اطمئنانكِ، وترتق ما تناثر من تفاصيلكِ..
وأنتِ تبكين لأنَّك قبْلاً لم تجدي الملاذ، ولم تسمعي الطيِّب، ولم تشاهدي سوى الأوجه الغاضبة، أو المنطوية على ذاتها، المختبئة في ظلام نفوسها..!
أيُّ باب موصد أمامكِ يا صغيرتي؟ ومَن الذي أوصده؟
وأيُّ نافذة مغلقة في وجهتكِ، ومَن الذي أغلقها؟
وأيُّ يد تولَّتكِ منذ نضارة الشَّهقة في صوتكِ، وطفولة الخطوة لقدميكِ؟
وأيُّ قلب التأم عنكِ دون أن يفتح بوَّابتيه كي تحمياكِ من الخوف والضَّياع والبكاء والوحدة والألم واليأس؟؟
و... أيُّ ولاية كانت تحفُّكِ بالإهمال، وتدثِّركِ بالجفاء.. وتقصي عنكِ دفء الأبوَّة، ودثار الأمومة، ودرع الأخوَّة..
فجئتِ إليَّ وقد توحَّدتِ بآلامكِ..، وتسربلتِ بأحزانكِ.. وحملتِ كلَّ همومكِ على ظهر رخوٌ فيه عموده، هزيلةٌ فيه قواه..، منكسرةٌ فيه واسطته؟
تسألينني أكون لكِ العمود، والقوة، وعزم الدائرة؟
أنتِ يا أمل أنموذج لعشرات تحت الأسقف يا بنيَّتي، وأنتِ يا أمل وجهٌ لكلِّ من مثلكِ ممَّن غفل عنهنَّ المحضن، فتلقَّفتكن الأوهام، وبثَّ فيكن القلقُ بذوره، ونصب أوتاده وأقام أعمدته وبسط خيامه..
فأصبحتِ للخوف رمزاً، وللألم بوتقة، وللإنطواء معنى..
فانهضي صغيرتي وافتحي نافذتكِ للنور في جنح الظلام..
دعي هواء الإيمان يبثّكِ القوة، ويحتويكِ بالأمان..
انظري إلى السماء.. تذكَّري من الذي هناك، ومن الذي خلقكِ، ولم تكوني شيئاً، وجعلكِ هذا الكائن القادر على الإحساس.. ألا يكفي أنَّه تعالى منحكِ العقل والإحساس..؟ توجَّهي إليه.. هو وحده الملاذ لكِ والملجأ لكلِّ ما أنتِ فيه، هو القادر على أن يحفظكِ ويهديكِ ويرزقكِ ويسعدكِ ويرضيكِ.. هو الذي يمحو ألمكِ ويذوِّب حزنكِ..
فلن تكوني وحيدة في معيَّته تعالى.. ولن تحزني وأنتِ بين يديه، متَّكلة عليه واثقة فيه، راضية بما ابتلاكِ به.. في أهلٍ لا يدركون أنَّهم عنكِ قد أشاحوا بأوجههم..، وعن واجبهم قد قصَّروا معكِ، ولاحتياجاتكِ قد أهملوا.. وعمَّا عليهم قد تجافوا واجتنبوا.. لكنَّ اللَّه تعالى لن يشيح عنكِ ولن يتخلّى، لن يهمل ولن يجتنب.. هو وحده تعالى البلسم لآلامكِ، المعين على عثراتكِ، المتسامح مع قصوركِ في أن تدركي أنَّ اللَّه تعالى هو الأقرب من أيِّ قريب وهو الأقدر على كلِّ قادر..
إيه أمل..
هلاَّ فتحتِ بابكِ بعد..
وانطلقتِ للحياة بثقة الإيمان، وبدثار التوكُّل على الرَّحمن؟
ولسوف أدعو لكِ..
ولن أتخلَّى عنكِ يا رمزاً يَقتات من فرحي.. ويزيدني أملاً في صحوة الأهل كلّ أهل للخوف من اللَّه في أبنائهم.
|