يبدو ان احد الجوانب التي طالما اغفل ذكرها في العمارة هو العمارة المتعلقة بالمياه، اذ يرتبط بالذهن فورا ان هذا النوع من العمارة ولا بد مرتبط فقط بالآبار او السدود، وهي من المنشآت البسيطة التي لا تخضع لنواحٍ جمالية او وظيفية معقدة او متطورة، ولكن يبدو ان هذا الانطباع مغلوط، فمن ابرز الامثلة على تخصص هذا النوع من العمارة المدنية هو القناطر التي برع بها الرومان والتي شكلت ابرز معالم بعض عمائرهم، اما في العمارة العربية الاسلامية فقد ارتبطت هذه العمارة بالنوافير والاسبلة العامة والبرك الصغيرة الخاصة التي تنتقل بها المياه من والى الفسقية التي غالبا ما تتوسط فناء الدار او القاعات الداخلية، وبالاضافة الى ذلك تمتاز عمارة اليمن بوجود البئر والذي يحتوي تركيبات معمارية غير مألوفة او متوقعة.
وفي هذا العدد نسلط الضوء على نماذج رائعة من عمارة المياه الاسلامية بالهند، ونستعرض تاليا بالصور التوضيحية لمحات من جماليات هذه العمارة.
تعود اصول عمارة المياه الاسلامية في الهند الى القرن السابع عشر مع سيطرة البرتغالي فاسكو دي غاما على المحيط الهندي مستفيدا من تجارة التوابل من الهند، حيث ازدهرت التجارة مع البرتغال منذئذ فلم يكن التجار اهل حرب يودون غرق سفنهم، انما كان الاهم هو تواصل التجارة مع انحاء العالم القديم المختلفة، ولذلك لم يمانع التجار من دفع ضريبة المرور للبرتغال اثناء ابحارهم لطرق التجارة المختلفة للشرق الواسط باتجاه غاياتهم المختلفة والتي كان من اهمها بلاد الشام ومكة المكرمة كمركز الجزيرة العربية الاقتصادي اثناء موسم الحج.
ومع تنامي سيطرة البرتغال لطرق القوافل التجارية، ابتدأ الامراء بالهند بالتركيز على الموارد الاقتصادية المحلية، وعمد اكثرهم للركون للطبيعة الساحرة التي تتميز بها مناطقهم، ومن هنا برز الاهتمام بالمنشآت المائية التي انتقلت فيما بعد الى الحمامات بتركيا او سوريا او القصور الخاصة للامراء والسلاطين، وقد برع المعمار المسلم في فن بناء الآبار المتدرجة التي يتم النزول اليها عبر الادراج الحجرية منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وازدانت هذه المنشآت بالنقوش والزخارف الهندسية النباتية والاقواس، وفي اثناء انتشار الاسلام بالهند انتشرت عمارة الآبار والبرك لارتباط المياه بالتنسيق الحدائقي والطبيعة للابتعاد عن التصوير والتمثيل، وقد اتخذت بعض هذه المنشآت الاشكال الهندسية الاساسية كالمربع والدائرة وتفنن المعمار المسلم في ابتكار الادراج المختلفة الاشكال للارتقاء والنزول لهذه الآبار او البرك والسدود، والنزول عبر الادراج ضمن مستويات متفاوتة كما تبين الصور، وبخلاف المفهوم التقليدي المألوف للبئر فقد تفاوتت الاشكال المعمارية المختلفة للآبار لتتعدى مفهوم البئر المغلق، اذ ظهرت الآبار الواسعة المفتوحة التي تسمح بتجدد الهواء وسهولة النزول والصعود لجلب المياه، وهذا مما يشهد للمعمار المسلم بالبراعة والهندسة الانشائية في نفس الوقت، اذ معلومة هي دقة وصعوبة انشاء المباني التي تحتويها المياه وافكار دفع السوائل وعلاقة الاساسات بالمياه مما يقف امامها المهندسون المعاصرون مع توفر وسائل الانشاء الحديثة، ولذا يضاف الى رصيد المعمار المسلم جانب آخر للعمارة التي ترتبط بالمياه هي عمارة الآبار، وما اجملها.
|