في مقال لـ«توماس فريدمان» نشره في ال «نيويورك تايمز»، ونشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في عددها الصادر يوم الأحد الموافق 14 شعبان 1423هـ جاء فيه بالنص: «إذا أردنا الإسراع بعملية الانتقال من النظام الأوتوقراطي إلى نظام أكثر ديمقراطية في مناطق مثل العراق وإيران، فإن أهم ما يمكن القيام به هو الخفض التدريجي والمنتظم لأسعار النفط، عن طريق الطاقة البديلة والمحافظة على الموارد» ويواصل في محاولة لإثبات ما يقول: «ما هي أول دولة عربية والدولة الوحيدة الديمقراطية في العالم العربي؟ لبنان. ما هي الدولة العربية الوحيدة التي لا يوجد بها نفط؟ لبنان. ما هي أول دولة عربية نفطية تحوِّل نفسها إلى ملكية دستورية: البحرين. ما هي أول دولة نفطية عربية ينفد نفطها؟ هي البحرين». أي أن السيد فريدمان في نظريته هذه يرى أن انتقال الدول العربية إلى مرحلة «الديمقراطية» لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال «إفقار» هذه الدول وتجفيف مواردها الاقتصادية!.
وأنا في هذه العجالة لا أريد أن أُبيِّن مدى تهافت الفكرة، وانتقائية الأمثلة، وتحميلها في الاستدلال ما لا تحتمل، فهذا التهافت، وبالذات في المثال اللبناني،، هو من الوضوح إلى درجة تجعله في رأيي غنياً عن الإيضاح ويدركه الصغير قبل الكبير، إنما الذي أريد أن أشير إليه هنا هو ذهنية النخبة الأمريكية، وانتهازيتها، ورؤيتها للآخر، وكيف يفكر أساطينها.
فالديمقراطية لديهم ليست سوى وسيلة، أما الغاية فهي تحقيق المصالح الغربية، وليست المصالح الوطنية للشعوب!!.
والسؤال الذي سيتبادر إلى ذهن من قرأ مقال السيد فريدمان هو: طالما أن الديمقراطية لا يُفرزها إلا «الفقر» كما يقول، فما هو إذن مبرر وجودها بالنسبة للإنسان العربي إذا كان «الإفقار» هو شرط ضرورة لتحقيقها؟!... غير أن «الديمقراطية»، كما تريدها النخبة الأمريكية، هي على ما يبدو تلك الأنظمة المتساهلة الخنوعة المفرطة في مجاملتها للأمريكيين، والتي يهب رجالها بكل ما يملكون من قوة ونفوذ «ديمقراطي» لنجدة المصالح الأمريكية. وهذه ليست الديمقراطية كما نفهمها بكل تأكيد، بل لم أقرأ في حياتي كتابة فيها إساءة للديمقراطية أكثر من هذه الكتابة.
الأمر الآخر الذي يقودنا إليه ذلك المقال، مفاده: أن المثقفين الذين ينادون بحقوق الإنسان، ها هم الآن يتحولون إلى وحوش ضارية، لا يهمها الإنسان ذاته، وتمكينه من نيل حقوقه في الحياة الكريمة، كما يدعون، أو كما تقول «وثائق حقوق الإنسان» التي يتذرعون بها، بقدر ما يهمهم تحقيق مصالحهم الذاتية، حتى وإن كان الطريق إلى هذه المصالح لا يمر إلا من خلال «إفقار» إنسان آخر، وإدخاله إلى دائرة الحاجة والعوز الاقتصادي. هنا تصبح ال «أنا» بمفهومها الاستعماري القديم هي محور هذا الخطاب، وإن غُلفت الآن بدعوى «حقوق الإنسان».
وإذا كان توماس فرديمان يُمثِّل رؤية وتفكير النخبة الأمريكية في كتاباته كما يقولون، فإن ذلك يعني أن «إفقارنا» من خلال خفض أسعار النفط هو إحدى سياسات، إذا لم تكن مطالب، مكافحة الإرهاب لدى النخبة الأمريكية نفسها، وهذا مؤشر خطير يجب أن نضع تحته أكثر من خط.
أما ما يتحدث عنه فريدمان، وربما لن يتحدث عنه، فمؤداه: أن الشعوب والحكومات الغنية، ليس بالإمكان إخضاعها لمقتضيات السياسة الأمريكية من خلال الضغط عليها بالمساعدات والقروض المالية، كما هو الأمر بالنسبة للدول الفقيرة.
لذلك كلما كانت هذه الدول أغنى كانت الأقوى والأقدر على مواجهة ومقاومة الضغوط الأمريكية من الدول الفقيرة.
وهذا ما لا يريده على ما يبدو السيد فريدمان.
|