في حياتي كلها سافرت إلى القاهرة أربع مرات فقط، كلها سفرات لا يمكن تجنبها، وهذا الرقم على سعودي تفتح على الحياة في السبعينيات الميلادية من القرن الماضي يعدّ غريباً آخر سفرة لي كانت في الصيف الماضي وقضيت أسبوعاً مضطرباً، أما السفرة التي قبلها فكانت قبل سبع عشرة سنة كثيراً ما أؤجل أعمالاً أو أفقد فرصاً متنوعة لرفضي السفر إلى القاهرة، القاهرة مدينة جذابة ومضيافة وتوفر ما لا حصر له من المتع المتنوعة سواء للفرد أو للعائلة. بالمناسبة حتى الآن لم آخذ عائلتي إلى القاهرة.
مشكلتي مع القاهرة تكمن في وساوسان. الوسواس الأول الماء، أتذكر في منتصف الثمانييات الميلادية كنت في زيارة خاصة للقاهرة وكان معي صديق اسكندنافي، المسكين من ثاني يوم مرجه بطنه، سبعة أيام قضاها في القاهرة وهو لا يستطيع الخروج من الفندق. قال له الأطباء إن بطنه استنكر الماء القاهري «مية النيل» فالتفت علي وقال باستغراب ليش أنت ما مرجك بطنك؟ فلم أشاء أن أقول إن بطني سبق أن مرجني في الرياض قبل أكثر من ثلاثين سنة عندما كنا نعود من لعب الكورة ونشرب من زير المسجد الذي تترعرع فيه كل حشرات ودود الأرض، فبطني يتمتع بحصانة لا يمكن أن تؤثر فيه حتى مستنقعات سنغافورا القديمة، ولكن الآن لا أعرف بعد كل هذه السنوات هل ما زالت الحصانة الدودية موجودة في بطني أم أن التمدن أزالها وأصبحت مكشوفاً لهجمات كائنات الماء الخفية. أما بالنسبة الى أطفالي فأنا على ثقة أن بطونهم مكشوفة لأتفه الهجمات، على الرغم من ثقتي في ماء الرياض إلا أن وساوسي دفعتني أن أصمم نظاماً صارماً للماء في بيتي حتى إنني حرمت دخول ماء الجوالين الزرق منزلي. أما الوسواس الثاني فتخلق من مبدأ زرعه الأمريكان في قلبي (حسبي الله عليهم) حيث تحول بعد الممارسة إلى أيدلوجيا وهو شعار (السلامة أولاً) وهذا الشعار ليس بعيداً عن شعار (الوقاية هي الغاية) الذي أطلقه الدفاع المدني.
نعلم جميعاً أنه دخلت على أمتنا العربية مجموعة معقدة من التكنولوجيا تتطلب مستوى متطوراً من الاستعداد البشري عند الطوارئ، مشكلتي مع القاهرة هي هذه التكنولوجيا وعلى رأسها العمائر الشاهقة والمصاعد. اذا وصلت القاهرة أحاول جهدي أن أسكن في الدور الرابع فما دون حتى أتجنب ركوب المصعد وأكون جاهزاً عند الاخلاء، والقاهرة كما تعلمون تعتمد على العمائر الشاهقة والمصاعد جزء من حياة الناس، في لندن في باريس في نيويورك أركب المصعد وأنا نايم لكن في القاهرة عندما أركب المصعد أتنافض وأرتجف وتعرق يداي باختصار أكره شيء عندي هو الخروج من الشقة أو العودة إليها، لأني بصراحة لا أثق في حسنين أو محمدين في مثل هذه الأمور، مسألة التكنولوجيا والعمائر الشاهقة تحديد تستثار عندي في اليوم الواحد أكثر من مرة لأن أكثر مشاوري تكون عبر طريق الملك فهد، فالبرجان الرائعان اللذان أصبحا من مفاخر مدينة الرياض يخفيان وراءها سؤالاً مهماً، هذا السؤال تخلق وتشكل في قلبي بعد عودتي من القاهرة وتحت إلحاح شعار «الوقاية هي الغاية».
ماذا لو شب - لا سمح الله - حريق هائل في ا لدور الثلاثين في أحد هذين البرجين الرائعين؟ ما هي استعدادات الدفاع المدني لطارئ خطير كهذا؟
أخاف أن يكون الجواب «الوقاية هي الغاية».. يعني وش الله حادك تروح لها لأن الدعوى مهيب شغل وناناتك ومد اللي يا سعيد.
فاكس 4702164 |