حين حشر محمد الكثيري جسده الناحل في كرسي متحرك متوجهاً إلى القنصل الأمريكي..
كان ذكياً..
كان يهدي أمريكا صورة أخيرة لعلاقات قديمة أسسها موحد هذه البلاد معهم قبل ما يزيد عن نصف قرن..
لم يتوسل محمد الكثيري أمريكا..
ولم يفكر أن يذهب إلى القنصل حاملاً مرضه وعجزه..
كان مواطناً سعودياً رائعاً..
سجل موقفاً مهماً في لحظاته الأخيرة
كمكاشفة قاسية للواقع الذي تبدل..
فالسعودية القوية التي سعت أمريكا عبر «روزفلت» لبناء جسر من التعاون مع الدولة البدوية التي عبأ أوردتها النفط.. هي.. هي.. لم تتغير ولن تتغير.
** كان الشاب النابه الذي سجل ذكاؤه تقدماً مذهلاً في لغة الصحافة الرياضية والمنوعة..
قوياً حتى في لحظات مرضه..
واجه أمريكا.. وجعلها تقف أمام مرآة لا تكذب وتكشف كل الحقائق.. صارخة.. قاسية.. بدون تجميل أو تحسين..
** ماذا على السفارة أن تقول..
وماذا على أمريكا أن تبرر..
مريض تسد بوجهه أبواب مستشفيات أمريكا.. المتحضرة معقل الديمقراطية والرؤية المنفتحة والمؤمنة بحق البشر بالحياة الحرة..
** لم أغلقت بواباتها في وجه الإعلامي الذي «تقشر» جلده وموعده في المستشفى قد أزف..
** ماذا علينا أن نقول..
وماذا علينا إزاء «رحيل» محتوم مقدر من رب عظيم.. لا يستقدم صاحبه ولا يستأخر..
لكنه رحل وخيبة عظيمة في التاريخ تستشري في جسده..
مكلوم.. مفجوع.. يساقط بين يديه تاريخه الصحفي وركضه في ميادين الكلمات..
وأطفاله وزوجته وأهله الذين طالما تاقوا لهدأة ركضه لينعموا بقربه..
وحين جاءت هدأة الركض.. كانت الموت..
** لحظات من البكاء الحزين..
تجتاح كل من قرأ معاناة الكثيري محمد.. ذلك الشاب الذي شاغب الدنيا كلها ليمنحها وجهاً آخر غير هذا الوجه العبوس الذي تبديه لأهلها..
** لوعة عظيمة
ومكاشفة ذكية لواقع لم نعطه اهتمامنا الذي يستحق..
أهداها لنا المرحوم - إن شاء الله - محمد الكثيري وهو في طريقه لمغادرة أوراق الصحف وأحبار مطابعها وذاكرة أهلها المثقوبة..
غادر ولوح لنا بيده.
** رحمك الله يا محمد وأعان الله زوجتك وأبناءك وإخوانك وأخواتك وأبدلك الله بجنة عظيمة عن هذه الدنيا الفانية التي لم تستطع أن تمنحك بلسماً شافياً لكن أتعبتك..
قد ذهبت لجنة - بإذن الله - لا تحتاج فيها إلى كبد ولا تحتاج فيها لتأشيرة من أمريكا..
** فليرحمك الله وليجعل معاناتك وآلامك وخيبات أملك الكبيرة تكفيراً لك وإعلاءً لدرجتك بإذن الله.
|