توفي صباح يوم الاثنين الموافق 8/8/1423هـ الشيخ عبدالرحمن بن عثمان الجاسر عن عمر يناهز السبعين عاما بسبب مرض لازمه طويلاً وكان رحمه الله طوال مدة مرضه صابراً محتسباً راضياً بما قدره الله عليه، وقد اشتد عليه المرض خلال الخمس سنوات الأخيرة من عمره حتى لازم الفراش، وكان يأتيه بعض طلاب العلم للدراسة عليه وهو مريض وهذه لمحة مختصرة عن حياته رحمه الله:
ولد الشيخ في بلد الدلم ودرس على سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله حين كان قاضياً للخرج ثم درس في معهد بالرياض العلمي وبعد تخرجه التحق بكلية الشريعة الرياض ومن زملائه في الدراسة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى والشيخ عبدالمحسن العباد المدرس بالمسجد النبوي وبالجامعة الإسلامية سابقاً والشيخ صالح الأطرم عضو الإفتاء سابقاً ومن مشايخه في كلية الشريعة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله والشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله والشيخ مختار الشنقيطي حيث درس عليه الشيخ السيرة. وغيرهم من المشايخ الفضلاء وقد حفظ الشيخ عدداً من المتون منها كتاب التوحيد وثلاثة الأصول وكشف الشبهات في التوحيد وزاد المستقنع في الفقه وألفيه ابن مالك في النحو وألفية العراقي في المصطلح ومقصورة ابن دريد في الأدب وغيرها من المتون حيث كانت الدراسة قديماً تركز تركيزاً شديداً على حفظ المتون ثم بعد تخرجه في كلية الشريعة عين مدرساً في معهد بلجرشي وهو الذي افتتحه وكان من طلابه في هذا المعهد الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي إمام المسجد النبوي ثم بعد انتقاله من بلجرشي وقد مكث فيها ما يقارب أربع سنوات عين مدرساً في معهد الدلم ثم مديراً له بعد ذلك واستمر في إدارة المعهد حتى تقاعده رحمه الله وكان خلال هذه المدة الطويلة في إدارة المعهد التي استمرت ما يقارب ثلاثين عاماً مثالاً للإداري الناجح علماً وخلقاً وقيادة ناجحة.
حدثني رحمه الله قال: كل هذه المدة الطويلة من الإدارة للمعهد لا أذكر حدوث مشكلة كبيرة بل كانت الأمور تسير سيراً طبيعياً وهذا من توفيق الله تعالى.
وتولى منصب الإفتاء في الدلم خلال إدارته للمعهد وكان الناس يأتونه يسألونه فيما يواجههم من مشاكل في البيع أو الطلاق أو قسمة المواريث أو غيرها ويجدون عنده الجواب رحمه الله خاصة قبل سنوات حيث كان طلاب العلم قليلين والغالب على الناس الاشتغال بالزراعة وعدم الحرص على طلب العلم أو الانتظام في الدراسة بسبب الأحوال المادية الصعبة آنذاك وهو رحمه الله عضو لجنة التوعية الإسلامية بالحج حيث يذهب للتوعية والإفتاء في الحج مع سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله.
وقد صارت للشيخ عدة دروس في الدلم منها درس في تفسير ابن كثير ودرس في نيل الأوطار للشوكاني وحاشية كتاب التوحيد لابن قاسم والروض المربع في الفقه وكان درسه درساً مثالياً يحضره بعض طلاب العلم حيث يحرص الجميع على حضوره لما عرف عن الشيخ من تقبله للنقاش وتشجيعه عليه حتى يخرج الطالب من الدرس وهو قد استفاد عدة فوائد منها حسن خلق الشيخ وعدم إصراره على رأيه أو كراهته لمن يخالفه الرأي بالدليل واستفاد الطالب في هذه المسألة حيث لا ينتهي الدرس إلا وقد اقتنع الطالب بالقول الصواب بدليله، وعرف عن الشيخ رحمه الله تشجيعه على الأخذ بالدليل وعدم التقليد، وقبل أن أنتهي من هذه اللمحات عن حياة الشيخ رحمه الله أذكر قصة حدثنا بها رحمه الله حين كان طالباً في كلية الشريعة أنه قال كان يدرسنا الأصول في كلية الشريعة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والقاعة الثانية يدرسهم الشيخ عبدالرزاق عفيفي فإذا جاء الاختبار كل يضع أسئلته لغير طلابه يقول فوضع أسئلتنا الشيخ عبدالرزاق عفيفي وكانت أسئلته صعبة جداً حيث مضى أكثر من نصف الوقت ولم نكتب شيئاً بل انتهى الوقت ولم يخرج أحد أما القاعة الثانية التي وضع أسئلتها الشيخ الشنقيطي فكانت سهلة وقد خرج الطلاب فمر علينا الشيخ الشنقيطي وشكونا إليه الصعوبة الشديدة للأسئلة حيث لم يخرج ولا طالب فغضب الشيخ الشنقيطي وذهب إلى صالة الكلية وكلم المشايخ ودعا إلى إجراء اختبار في الأصول بينه وبين الشيخ عبدالرزاق عفيفي فما كان من عميد كلية الشريعة آنذاك وهو أحد آل الشيخ إلا أن أمر بإعادة الاختبار وتغيير الأسئلة، هذا ما تيسر كتابته والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد.
|