Friday 1st November,200210991العددالجمعة 26 ,شعبان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الغازات السامة والأنموذج الروسي في إطلاق سراح رهائن مسرح موسكو الغازات السامة والأنموذج الروسي في إطلاق سراح رهائن مسرح موسكو

  * إعداد : عادل عبد العزيز أ ش أ:
يثير إصرار السلطات الروسية وتكتمها على عدم الإعلان عن نوعية الغاز الذي استخدمته قواتها الخاصة في عملية إنهاء أزمة الرهائن في مسرح موسكو يوم السبت الماضي، مجددا الحديث عن استخدامات الغازات السامة في العمليات العسكرية والعمليات الخاصة فيما يطلق عليه الخبراء اصطلاح الحرب الكيماوية، كما يثير استخدام الغاز الكثير من الشكوك حول عدم الالتزام بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي تمنع استخدام مثل هذه المواد على الرغم من خطورتها وتأثيراتها الشديدة على البشرية0
ومما يؤكد عدم مشروعية استخدام هذا الغاز ما أذاعته بعض وسائل الإعلام العالمية من أن الاطباء المعالجين لضحايا الغاز في المستشفيات وعددهم أكثر من 300 طبيب لم يتم ابلاغهم بتركيبة الغاز حتى يتمكنوا من علاج حالات الإصابة المتبقية رهن العلاج والذين قدرتهم بعض التقديرات بنحو 24 شخصا ما يزالون تحت العناية المركزة بخلاف ان الغاز السام قتل 115 من الرهائن المحتجزين خلال العملية وبعدها.
ورغم إعلان السفارة الامريكية في موسكو ان الغاز هو مادة تسبب النعاس وليس غازا للأعصاب وانه مادة مخدرة تتسبب في بلادة الاحساس فان الأمر يفتح المجال للحديث عن «الغازات المخدرة التي تشل الاحساس».
فماذا عن الغازات السامة وما هي أنواعها وتأثيراتها وطرق الوقاية منها والمشكلات التي قد تصاحب ذلك وماذا عن الجهود الدولية لمواجهة هذه الحرب.
يقول تقرير المحرر العسكري لوكالة أنباء الشرق الأوسط ان الحرب الكيماوية ليست نوعا حديثا من أنواع الحروب، وهى تهدف إلى تدمير وإهلاك قوة العدو عن طريق نشر بعض الأمراض التي توثر في صحة الجنود وتعوقهم عن مواصلة القتال وذلك باطلاق الغازات وبعض أنواع الجراثيم والميكروبات بواسطة وسائل متعددة.
وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف نوع الغاز المستخدم في حالة تحرير الرهائن الا انه يمكن القول ان هذا الغاز يندرج تحت بند العوامل المهلوسة التي تؤثر بصفة خاصة على الجهاز العصبي المركزي وان كانت طبيعة هذا التأثير ليست واضحة تماما حتى الآن ولكن يمكن ان توثر بشكل واضح على سلوك الشخص المصاب وقد تجعل من يتعرض لها غير قادر على استعمال معداته أو القيام بمهامه القتالية على الوجه المطلوب.
ولا يمكن اتخاذ سلوك الشخص المعرض لهذه العوامل مقياساً لسلوك مجموعة من الجنود المعرضين لهذه العوامل.
وتؤكد الدراسات ان التجارب التي أجريت على عقار الهلوسة المعروف باسم «ال. اس. دي» ان بعض المخدرين بهذا العقار كانوا يتصرفون بشكل طبيعي عند وضعهم بين مجموعة من الجنود غير المخدرين.. الأمر الذي حدا ببعض العلماء إلى استنتاج انه كي يكون تأثير هذه العوامل فعالا بشكل واضح لا بد أن يصل تأثيرها كاملا لكل أفراد المجموعة المحاربة.. ومع ذلك فقد كانت هناك بعض الأمثلة التي دلت على ان بعض هذه العوامل المهلوسة قد تدفع المجموعة المحاربة إلى القيام بنوع من النشاط الزائد على حين كانت هناك حالات أخرى تسببت فيها هذه العوامل في دخول أفراد المجموعة المحاربة في غيبوبة ذهنية كاملة.
وعلى الرغم من عدم سهولة التنبؤ بآثار مثل هذه العوامل على المجموعات المحاربة المختلفة الا انها تؤدي في أغلب الحالات إلى نوع من الغيبوبة الذهنية وعدم القدرة على التصرف ويصحب ذلك عادة بعض الأعراض الأخرى مثل ضعف الروية والقيء والضعف العام وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى الاغماء.
وقد كانت هذه الآثار مجتمعة هي السبب الأساسي في ترشيح استخدام مثل هذه الغازات في الحرب الكيميائية.
ومن أهم العوامل الكيميائية المسببة للهلوسة عقار «ال. اس. دي» والعامل المعروف باسم «بى/زد» وان كانت هناك عوامل أخرى يمكن استعمالها مثل العوامل المشتقة من «الامفيتامين» ومركبات «الفينوتيازين» و«المسكالين» و «البسيلوسبين» وما إليها.
وعقار «ال.اس. دي» يمكن الحصول عليه بتخمر بعض المواد الموجودة طبيعيا ويستعمل عادة على هيئة ملح سهل الذوبان في الماء ويحتفظ بفاعليته مدة طويلة.
ويؤدي هذا العامل إلى ظهور عدة أعراض مرضية على المصاب منها الشعور بالضعف العام والدوار والرعشة وضعف الابصار والشعور بالقيء والحاجة إلى النوم كذلك يشعر المصاب ببعض الاحاسيس الغريبة خاصة فيما يتعلق بأشكال الأشياء وألوانها كما انه قد يشعر بالسعادة الزائدة أو يشعر على نقيض ذلك بالتعاسة والانقباض وعدم القدرة على التفكير إلى جانب الشعور ببعض أحلام اليقظة، وهذه الأعراض هي التي يطلق عليها اجمالا اسم «الهلوسة».
ويمكن استخدام هذا العامل في الحرب الكيميائية على هيئة «ايروسول» يرش من الطائرات ولكنه لا يصلح للنشر في الهواء بواسطة القنابل لأنه غير ثابت حراريا وسريعا ما ينحل ويتفكك.
كما يمكن استعمال هذا العامل كذلك لتلويث مياه الشرب وعادة ما يكون تأثيره ملحوظا في هذه الحالة فاذا افترضنا ان لدينا مدينة صغيرة يصل تعداد سكانها إلى نحو 50 ألف فرد وانها تستهلك نحو 20 مليون لتر من المياه في اليوم فان 10 كيلوجرامات من هذا العامل تكفي لاحداث العجز المطلوب بين سكان هذه المدينة عند اضافتها إلى الخزان الرئيسي للمياه في هذه المدينة، واذا لم يكتشف هذا التلوث في وقت مبكر واتخاذ إجراءات فعالة لعلاجه وتطهيره فان عدداً كبيراً جداً من سكان هذه المدينة سيكونون قد تناولوا جرعة مميتة من هذا العامل مع مياه الشرب
ولا توجد حاليا طريقة معترف بها للوقاية من هذا العقار ويمكن إزالة بعض آثاره بتناول بعض المثبطات مثل مركبات «البرتبيورات» أو «الفينو تيازين» وما إليها.
والعامل الثانى وهو «بي/زد» يحضر خصيصا للاستعمال كعامل هلوسة في الحرب الكيميائية وهو ينتمي إلى مجموعة من مركبات «البنزيلات» ويوجد على هيئة مسحوق أبيض اللون وهو ثابت حراريا ويمكن استعماله على هيئة ايروسول لاحداث اضطرابات في الجهاز التنفسي، كما يمكن استعماله على هيئة سائل بعد اضافة بعض المواد الأخرى إليه، وفى هذه الحالة قد يمتص عن طريق الجلد، ولكن المرجح استعماله على هيئة ايروسول.
ويسبب عامل «بي/زد» عدة أعراض أهمها سرعة ضربات القلب وجفاف الجلد والحلق، كما يؤدي إلى إحداث الدوار وفقد الاتزان وضعف الرؤية لدى المصاب.
والجرعة الصغيرة من هذا العامل قد تسبب الغيبوبة أو النوم ولكن الجرعات الكبيرة منه تؤدى إلى ظهور الأعراض السابقة كما تؤدى في بعض الحالات إلى قيام المصاب بتصرفات غير عاقلة.
ويشبه فعل عامل «بي/زد» العامل المعروف باسم «الاتروبين» ولكنه أشد منه أثرا ولذلك فهو يمنع العرق، وعند التعرض لهذا العامل في الجو الحار والجاف فانه يسبب لمن يصاب به صدمة حرارية قاسية.
ويمكن إزالة أثر هذا العامل بتناول بعض العقاقير ولكن يجب الحرص الشديد عند استعمال هذه العقاقير لانها سامة بدورها.
وتؤهل الخواص الكيميائية والفيزيقية هذا العامل للاستخدام في الحرب الكيماوية وهو يفوق عامل «ال. اس.دي» في هذا المضمار ويمكن استخدامه ونشره بواسطة استخدام بعض الأسلحة المعروفة.
كما يمكن استعمال مواد أخرى مسببة للهلوسة في هذا المجال مثل «المسكالين» الذي يفصل من نوع خاص من نبات الصبار ويشبه تركيبه تركيب بعض المواد التي تنقل النبضات العصبية وتصل سميته بالنسبة لفرد عادي يصل وزنه إلى نحو 70 كيلو جراما، إلى 500 ملجم.
كذلك استخدام مادة أخرى تعرف باسم «بسيلوسبين» وهي تفصل من أحد أنواع «عش الغراب» وكذلك مادة مشابهة لها وتعرف باسم «بسيلوسين» وتصل سميتها بالنسبة للشخص العادي إلى نحو 20 ملجم.
ومن الملاحظ ان الجرعة المسببة للعجز بالنسبة لهذه المواد تقل كثيرا عن جرعة عامل «ال. سي .دي».
ويتبين مما سبق انه وبالرغم من التقدم العلمي الذي اجتاح العالم الا أن وسائل الوقاية التامة ما زالت غير مأمونة.
وتشكل الحرب بالأسلحة الكيماوية إغراء عسكرياً أو استراتيجياً بالنسبة للقادة غير ان المشكلة الأساسية التي تعاني منها هذه الأسلحة تتعلق بتخزينها.
وكان لبداية استعمال هذا النوع من الأسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وما أثارته من قسوة وفظاظة وتقزز واشمئزاز رد فعل عالمي عنيف واستنكار من الرأي العام العالمي خاصة انه تم استخدام أكثر من 45 نوعا من السموم والمواد الكيماوية القاتلة.
وقاد هذا الاستنكار العالم إلى معاهدة جنيف لعام 1925 لتحريم استعمال الغاز السام بكل أنواعه وكذلك كافة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية باعتبارها منافية لكل القواعد الانسانية لمجتمع متحضر حيث وقعت عليها 26 دولة وقد ظلت هذه الاتفاقية تعاني من ثغرة خطيرة جدا وهي انها اقتصرت على تحريم الاستعمال ولكنها لم تحرم إجراء البحوث لتطويرها ولم تحرم انتاجها وتخزينها.
كما ان بعض الدول قد أثبتت تحفظا عليها واحتفظت لنفسها بالحق في استعمال هذه الأسلحة اذا ما ووجهت بهجوم مماثل الأمر الذي كان من نتيجته ان كثيرا من الدول واصلت انتاج هذه الأسلحة الوحشية بكميات هائلة ومرعبة وأصبح المخزون منها الآن يهدد البشرية والحياة على ظهر الأرض عدة آلاف من المرات.
وقد انضم عدد من الدول إلى معاهدة 1925 أو أعلنت الالتزام بها وفي 16 ديسمبر 1969 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة قرارات في موضوع هذه الأسلحة .. وفي عام 1972 وقعت 90 دولة على معاهدة تحرم استخدام هذه الأسلحة وانتاجها وتخزينها.
وبحسب آراء بعض الخبراء فان المخزون لدى أمريكا وروسيا حاليا من هذه المواد يكفي لابادة الحياة على الأرض عدة آلاف المرات .
ولعل من المفارقات التي يجدر ذكرها ان الادارة الامريكية في عهد الرئيس ريجان كانت الأسرع إلى الصاق التهم بخصومها بينما تجاهلت ممارسات حليفتها اسرائيل فقد اتهمت الادارة الامريكية الاتحاد السوفيتي حينذاك باستخدام الأسلحة الكيماوية في أفغانستان .. كما اتهمت فيتنام باستعمالها في لاوس وكمبوديا وبنفس القدر اتهمت حكومة أفغانستان الموالية للاتحاد السوفيتي السابق الولايات المتحدة بمد الثوار الأفغان بكميات من الغازات السامة .. وبدأت وزارة الدفاع الامريكية حملة صحفية حول مخزون الاتحاد السوفيتي الهائل من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وذلك بغرض تهيئة الرأي العام الامريكي والعالمي إلى مطالبات البنتاجون بزيادة القدرات العسكرية الامريكية في مجال هذه الأسلحة.
وقد أبعد السباق النووي المحموم وتحركات الصواريخ ومواجهتها الكابوس الكيماوي والبيولوجي لبعض الوقت الا أنه عاد أخيرا الحديث عن هذه الأسلحة الشريرة.
وفى النهاية يجدر التنبيه إلى ان النجاح النسبي لعملية اقتحام مبنى مسرح موسكو وتحرير الرهائن من أيدي الخاطفين، على الرغم من الخسائر البشرية، غير القليلة، المصاحبة له وبداية الشعور بالغضب في موسكو قد يفتح الباب واسعا أمام تكرار هذا «الانموذج الروسي» الذي لم يراع الأبعاد الانسانية وأرواح الضحايا واخضاع البشر لتجربة جماعية وتعريضهم للغاز المخدر أو السام وبهذه الجرعة التي تأكد انها عالية لترتفع نغمة محاربة الإرهاب الدولي على ماعداها.
عملية اقتحام المسرح

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved