تعد مكة المكرمة والمدينة المنورة مهوى افئدة المؤمنين في مختلف اصقاع العالم الإسلامي لما لهما من مكانة دينية واعتبارية خاصة كمهد الاسلام ونشأته وتطوره.
وكبؤرتين اضاءتا العالم القديم والعالم الإسلامي الحديث، وعدا عن هذه الاهمية الدينية التاريخية ما هي القيمة المعمارية والحضرية للمدينتين - او القريتين بحسب التعبير القرآني للتجمعات السكانية الكبيرة في تلك الفترة - وما هي معالم التكوين الحضري والعمراني للقريتين في اواخر القرن السادس الميلادي؟
معلوم ان مكة تقع في واد صخري قاحل، او بحسب التعريف القرآني {بٌوّادُ غّيًرٌ ذٌي زّرًعُ } بحيث يجعل قابلية الزراعة فيها محدودا لشح موارد المياه بها،وكذلك يجعل الطلب على المساحة الصالحة للبناء كبيرا لوعورتها، ومن هنا اشتهرت البيوت في مكة بارتفاعها لعدة طوابق ما بين ثلاثة واربعة، وقد اشتهرت مكة منذ العصورما قبل ظهور الاسلام بوقوعها على خطوط التجارة ما بين الشرق وبين شمال افريقيا،وكانت طبيعتها الجبلية المحمية ميزة مهمة في توفير الملاذ للقوافل التجارية من اخطار الاعتداءات والسلب، وتميزت مكة لوجود البيت الحرام والكعبة بها. والكعبة مشتقة من شكلها المكعب الذي يعلو 13 مترا، ويتجاوز شكل المربع بقليل من حيث تخطيط ابعادها الافقية، وفي العام 683م تدمر جزء كبير من الكعبة، وتهدمت مرة اخرى في القرن السابع عشر الميلادي من جراء المياه، وقد وصفت الكعبة التي تتوسط اليوم صحن المسجد الحرام الكبير من قبل الرحالة على مدى العصور. وفي القرن التاسع عشر وصفها الرحالة بيركهاردت في مذكراته (رحلات الى بلاد العرب) - Travels in Arabia وبالرغم من ان مكة المكرمة لا تطابق الوصف السائد للمدينة العربية التقليدية من حيث وجود البيوت والمباني التي تتوسطها الافنية، الا انها تلاقي معايير المدينة العربية بمواصفات مختلفة منها الابنية العالية والتي تشتهر بها المدن الاخرى التي تتمتع بنفس الطبيعة الجغرافية مثل صنعاء باليمن، وتعد اهمية البيوت السكنية بمكة نظرا لاهميتها الدينية في وقت الحج، اذ لعبت مكة دوراً اساسياً في ايواء واطعام الحجيج واكتسبت قريش مكانتها من جراء هذا الدور الذي باهت به القبائل العربية الاخرى في شبه الجزيرة العربية.
وقد وصف المقدسي بيوت مكة: (بيوت مكة مبنية من الحجر ذو اللونين الابيض والاسود، ولكن الاجزاء العليا منها مبنية بالطوب، وتطل منها شبابيك ترتفع على عدة طوابق من الخشب- المشربيات او الرواشين -، وقد وصفها الرحالة العربي ابن جبير وذكر السطح للبيوت كمكان للمبيت ليلا في الصيف، وخلافا للمألوف في المدن العربية التقليدية الاخرى حيث تضيق الشوارع بحيث تسمح فقط بمرور جملين محملين بسهولة فقط، الا ان الطرقات بمكة متسعة لتسهيل مرور الافواج من الحجاج بحسب وصف الرحالة القدماء للمدينة قبل الفترة الإسلامية، وتتميز مكة عن النموذج المألوف للمدينة التقليدية وبخاصة في فترة ما قبل الاسلام بوجود الساحة المحيطة بالكعبة والتي كانت بمثابة الحيز الفراغي المحيط للمصلين وهو فراغ عام، وتنطلق نظرية بعض المفكرين في هذا المجال ان المدينة في فترة ما قبل الاسلام قد خلت من مثل هذا الفراغ العام وهو مما تتميز به مكة ايضا عن المدن الاخرى.
اما المدينة المنورة فعلى العكس من مكة المكرمة فتقع على سهل منبسط، وتتيح وفرة المياه بها وجود الواحات والنخيل، وكذلك امتداد البيوت بها افقيا لارأسيا كما هو الحال بمكة، وتتميز المدينة المنورة ليس فقط بكونها مقصد هجرة النبي عليه الصلاة والسلام فحسب بل لوجود المسجد النبوي والذي يعرف بالحرم المدني والذي يقابل الحرم المكي بمكة، وتشكل الرحلة من مكة الى المدينة جزءا من رحلة مئات الالوف من الحجيج كل عام مما يربط المدينتين رباطا حسيا عدا عن الارتباط العقدي الديني، ومن الملاحظ ان الحرم المدني لا يتوسط المدينة انما يقع في طرفها الشرقي. وهو عبارة عن بناء من الطين اقرب للمربع به رواق محمول سقفه على سعف النخيل، ويتوسطه فناء مكشوف، ويمكن تفسير عدم المركزية للمسجد المدني بالنسبة للمدينة في مقابل المركزية التي تلاحظ في الحرم المكي لتوسط الكعبة للاخير والتي اعتبرت نقطة الاساس لا لمكة فقط بل هي بؤرة مرجعية للعالم الإسلامي قاطبة، ويرجع اصل نشأة المدينة المنورة الى مجموعة من الواحات التي تزخر بالنخيل والتي تعلو فوق سطح مياه الفيضانات الموسمية، وقد بنيت المدينة المنورة لاحقا من الحجر الداكن وليس الابيض الناصع تماما، وترتفع منازلها لطابقين بشكل عام. اما شوارعها فليست عريضة انما هي ضيقة عموما ربما لبضعة اقدام عرضا في بعض الاحيان، مما يفرض الحركة المحلية على تلك الاقليمية، وتتخلل المدينة مجموعة من الشوارع الرئيسة التي تجري طولا من الموقع للحرم المدني حتى البوابتين بوابة القاهرة شمالا وبوابة سوريا، وينتشر على هذه الشوارع مجموعات من الحوانيت المتناثرة والتي تحاكي الاسواق الطولية ببلادالشام، بخلاف الاسواق المتجمعة بمكة المكرمة. اما ابرز ما يربط القريتين معا فهو ليس النظام المورفولوجي التكويني الواضح،انما هي معالم البيئة الاجتماعية التي كرسها النبي الاعظم من خلال تعاليم الاسلام، وذلك باعطاء مفاهيم الخصوصية والعفة، وبذلك فلا تشرف البيوت على بعضها البعض، بالاضافة الى تخصيص الاحيزة الفراغية الخاصة بالذكور ومثله اللاناث والفصل بينهما، وغيرها مما تتميز به المجتمعات الشرقية التي تنضوي ضمن مفاهيم الاسلام واخلاقياته، ولذلك فليست البيوت متماثلة وتحتوي الافنية بالضرورة، انما هي روابط الاسلام، ولذلك فللبيت المكي والمدني مجموعة من الاشكال التي تشترك جميعها في قيم اجتماعية متضمنة في تكوينها العضوي من خلال العلاقات الحسية للاحيزة الفراغية بعضها ببعض، والتي تنظم علاقات الافراد داخل البيت من جهة وكذلك علاقات القاطنين والزوار من جهة ثانية.
ويبدو ان التميز بهاتين المدينتين - القريتين - لا ينبع فقط من طبيعتهما المورفولوجية التكوينية الحضرية، بل هما متميزتان على الدوام لمعاني دينية ورمزية للعالمين العربي والإسلامي، كونهما اماكن مولد وحياة النبي الاعظم خاتم الانبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ولذا تجمع هاتان القريتان بين التميز العمراني التكويني عن بقية المدن التقليدية وبين التميز الرمزي المعنوي، وكفى بهاتين الميزتين للقريتين اهمية لتسودا القرى الاخرى، ولتكون مكة المكرمة موئلا للمسجد الحرام وام القرى قاطبة على مدى الازمان.
|