متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتُهم أحراراً» .. لذلك القولُ المحفور في ذاكرة الزمن، نطق به الخليفة الفاروق رضي الله عنه قبل أربعة عشر قرناً، وهو يختصر معاناة الإنسان السابق واللاحق من خطيئة «الرق» في مفهومها الإنساني والسياسي، بدءاً ب «رقّ» الإنسان لأخيه، وانتهاء ب «رق» الشعوب لبعضها تحت مظلة الاستعمار البغيض!.
***
* وأظن ولا أجزم أنّ هاجس «الرق» لم يغادر أذهان بعض من أُوتُوا القدرة والوسيلة لاستقدام خدم وخادمات للعمل في منازلهم من بعض أصقاع الأرض المغلوب على أمرها اقتصادياً، وينتشر أفراد تلك الفئة من أرباب العمل عبر أكثر من مكان في مجتمعنا العربي، والخليجيّ منه خاصة.
***
* وأكاد أجزم، ولا أظن فحسب أن فتنةَ العيش والانشغال به سعْياً ورغداً تُنسي بعضنا حقيقةً هامةً جداً، وكبيرة جداً، وقاسية جداً، وهي أن سطوة الحاجة التي أرغمتْ ذلك العامل أو تلك الخادمة على هجْر الأهل والزوج والولد لا تعني أن أحدهم قد باع حريته في «مزاد» البحث عن العيش، أو انه قد تنازل عن كرامته أو كرامتها لقاء دراهم معدودة تُمنحُ له في نهاية مدة معلومة، لقاء كدّه ونكده! فهو أولاً وأخيراً، إنسان، قبل أن يكون أيّ شيء آخر، وبالتالي، علينا أن نكيّف تعاملنا معه بما يستوي مع هذا المفهوم نصّاً ورُوحاً! وهو أمر يحضّنا عليه ديننا الحنيف، وتمليه علينا مكارمُ الأخلاق لمن آتاه الله نصيباً منها!..
***
* لقد كتبت في هذا المعنى أكثر من مرة، مشيرا إلى أنماط متفرقة من المواقف والسلوكيات تُمارسُ سرّاً وعلناً حيال خدم المنازل وغير المنازل في بعض الأماكن بعض الأحيان، فقلت إن المرء منا، ذكراً كان أو أُنثى، لا يكتفي بسُلطة اللسان على مخدومه أو مخدومته، بل يقرن ذلك أحياناً بسطوة اليد، وأن مثلَ هذا الموقف ينكره دينُنا العظيم وفطرته المجبولةُ على المحبة والتسامح والحلم، وأحسب أن القاعدة التي تقوم عليها «العقود» المبرمة مع هؤلاء الخدم يجب أن تجسِّد مبدأ «الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان»، فإمّا أن يكون الخادم «أو الخادمة» صالحاً فيبقى، أو طالحاً فيرحل، والعقد، في خاتمة المطاف، شريعة المتعاقدين، خادماً ومخدوماً!
***
* وختاماً، أرجو ألا يُضطر أحدٌ يوماً إلى المطالبة بإنشاء «جمعية للرفق بالخدم»، انتصاراً لكرامة هذا الإنسان الذي جاء لخدمتنا، لا لمصادرة إنسانيته، باسم حاجتنا لخدمته، وحاجته هو لدراهمنا!.
|