Monday 18th November,200211008العددالأثنين 13 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بصراحة بصراحة
الشباب... قضايا ساخنة (1)
لبنى وجدي الطحلاوي

مع أنني لا أنتمي إلى الجيل القديم، لكن أعترف بأن الأجيال القديمة كانت تتميز بالكثير من الصفات الإيجابية التي تُفتقد الآن وبشكل كبير.
ولذلك أشفق كثيراً على هذا الجيل، بالرغم من أنه جيل وجد كافة الامكانيات متاحة أمامه ويعيش في ظل تقدم تكنولوجي هائل، ولديه الفضائيات التي لا تحصى ولا تعد، والإنترنت، فكلاهما ينقله إلى العالم في لحظات ويجعله مطلعاً على كل ما يحدث في العالم لحظة بلحظة، فالفضائيات والإنترنت أصبحت من الأساسيات لا الكماليات في معظم البيوت في هذا العصر.
لكنه جيل خرج إلى الدنيا ليجد وطنه العربي، يبكي جراحه ويندب أرضه المغتصبة، والكرامة العربية تهدر كل يوم مع دماء الشهداء التي تراق كل يوم على يد إسرائيل في مسلسل المآسي الذي يزداد يوماً بعد يوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة ونشاهده بشكل يومي دون توقف.
فأي جيل يعد الآن؟ وماذا يتلقى من ثقافة؟ وهل يعد الإعداد المناسب لمواجهة مشكلات عصره؟ وهل هو مستوعب لمشكلاته أصلا؟
إن أغلب المشكلات التي يعانيها الشباب اليوم، تعود إلى غياب دور الأبوين الحقيقي في النصح والإرشاد والتواصل مع الأبناء، فكثير من الآباء قد لا يعرفون في أي مرحلة دراسية أبناؤهم على سبيل المثال، وكثير من الآباء والأمهات ليس لديهم أي خلفية عن أخلاقيات أصدقاء أبنائهم ولا أية خلفية عن سلوك أبنائهم خارج المنزل وكيف يقضون أوقات فراغهم.
فمع غياب دور الأبوين، أصبح الأبناء يتلقون التوجيه والإرشاد وثقافتهم الحقيقية من (الأب الثالث) الذي يقوم بدوره خير قيام، ولذلك أطلق أخصائيو علم النفس وعلم الاجتماع على الإنترنت والفضائيات بشكل خاص مصطلح الأب الثالث، لأنه أب أكثر تأثيراً وأكثر تسلطاً على الشباب ويلعب دوراً خطيراً في إلغاء دور وفاعلية الأبوين الحقيقيين لأن الشباب يقضون معه معظم الوقت، فهو الموجه الحقيقي الذي يتواصلون معه بشكل دائم، ويفرض ثقافات معينة عليهم، ولأن الكثير من الشباب (غير محصن) لوجود تقصير كبير في دور الأبوين الذي أصبح مفقوداً بالفعل، فلم يتم إعداد الشباب والنشء مسبقاً للتعامل بشكل صحي وسليم مع ما يفرزه لنا التطور التكنولوجي ومواجهة سيل العولمة الجامح وتداعيات ذلك، فنجد الكثير من السلبيات الخطيرة لدى الشباب.
فعلى سبيل المثال كيف يتعامل الغالبية من الشباب مع الفضائيات والإنترنت؟ وهل يستغل ذلك بشكل إيجابي لخدمة أمور هامة تتعلق بالثقافة والعلم؟ إن البعض منهم يتواصل مع نوعية معينة من البرامج الهابطة على الفضائيات التي تعتمد على الاثارة وتبعاتها من الأمور الرخيصة ومن يتابع ذلك يتبين له أن هذه البرامج موجهة بشكل خاص للشباب السعودي دون سواه، ومعظم الأرقام والخطوط تتاح لهم تحديداً، فهم المستهدفون من وراء ذلك، مع سابق اصرار وتصميم.
أما عن الإنترنت، فالبعض وهم ليسوا بقليل، يأخذون منه الجوانب السلبية ويتم التركيز عليها، فهناك مواقع تريد تدمير الشباب المسلم في العالم وتريد ان تفسد عليهم عقيدتهم، لتنال من الاسلام الشيء الكثير عن طريق القضاء على القيم والمثل العليا للشباب المسلم وتجريدهم من اخلاقياتهم العظيمة، فعلى الانترنت عدة مافيات لا مافيا واحدة وكل مختص بمصيبة، فهل نسمح لهم بأن ينالوا مبتغاهم ونصبح من ضحاياهم فندمر أنفسنا وقيمنا النبيلة بدلا من استغلاله واستخدامه للأمور التي صنع من أجلها؟ لاشك أن العلماء الذين قاموا باختراع الكمبيوتر والانترنت لو كانوا يعلمون مسبقا كيف أن هذا الاختراع سيستغله البعض في أمور بعيدة كل البعد عن العلم والثقافة بل وسيستغل أسوأ استغلال لكانوا توقفوا عن تكملة هذا الاختراع واخراجه للبشرية رحمة ورأفة بهم.
إن الأمر أشبه بمن يلقي بابنه في بحر هائج ليصارع الأمواج وحده ينتظر منه أن يصل إلى بر الأمان بسلام. ولكن كيف هذا؟ وهو لم يعده لمواجهة الأمواج ولم يعلمه أصول السباحة مسبقا فلا بد له أن يهلك ويغرق.. وهذا ما يحدث بالفعل.هناك (دور مفقود) أحمل مسؤوليته للأبويين والأم بشكل خاص، فالشباب والنشء في حاجة ماسة للحنان والتواصل معهم باستمرار والاهتمام بمتابعتهم ومراقبتهم أيضا، لكن بعض الأمهات يجدن متابعة، ومراقبة أزواجهن أهم...لقد كان الآباء والأمهات في السابق يتواصلون مع أبنائهم ويعظون أبناءهم بشكل يومي حتى كان الأبناء يحفظون الكلام عن ظهر قلب ويقولون عنه (الاسطوانة المشروخة)، ولكن تلك الاسطوانة المشروخة أنجبت أعظم وأفضل الرجال العصاميين الناجحين والمتحملين للمسؤولية والمقدسين للحياة الزوجية، وأنجبت أفضل الزوجات والأمهات اللاتي يؤمن بأن أهم رسالة يجب أن يقمن بها في الحياة هي داخل أسرهن الصغيرة أولا فهي أمور موجودة بالفطرة ومن سنن الحياة السليمة وأي نجاح على حساب تلك الأسرة وعلى حساب رسالتها المقدسة لا قيمة له لأن الدور العظيم المنتظر من كل أم في المجتمع تجاه زوجها وأبنائها لا يعوض ولا يمكن أن يحل محله أحد ولا شيء يعوض غياب الأم ولا شيء يعوض افتقاد دورها ورسالتها داخل الأسرة، لقد اختصر أمير الشعراء أحمد شوقي هذه الرسالة المقدسة للأمهات بقوله المشهور:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق
ولذلك يجمع علماء النفس على أنه لا يتم انفصال المرء عن أمه بعد الولادة بل يظل هناك ارتباط نفسي ووجداني أكثر أهمية من الحبل السري الذي انقطع مع الولادة.
فعندما نحمل الأمهات جانباً كبيراً من المسؤولية تجاه الأبناء، ليس تجنيا ولا ظلماً لهن ولا نحملهن بذلك أكثر من طاقتهن، بل لأنها رسالتهن الأولى، وللمكانة العظيمة التي تحتلها الأمهات في الاسلام فلم تكرم الأمهات في أي ديانة سماوية كما كرمهن الإسلام، فالله سبحانه وتعالى خص الأمهات بمنزلة عظيمة فالإسلام قدم بر الأم على الجهاد في سبيل الله، والإسلام قدم الأم بالبر على الأب، والشواهد على ذلك لا تحصى ولا تعد، في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة، ومثالٌ على ذلك قوله تعالى: {وّوّصَّيًنّا الإنسّانّ بٌوّالٌدّيًهٌ حّمّلّتًهٍ أٍمٍَهٍ وّهًنْا عّلّى" وّهًنُ وّفٌصّالٍهٍ فٌي عّامّيًنٌ أّنٌ اشًكٍرً لٌي وّلٌوّالٌدّيًكّ إلّيَّ المّصٌيرٍ} وفي الحديث الشريف: روى أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت أستشيرك، فقال هل لك من أم؟ قال نعم، قال (إلزمها فإن الجنة عند رجليها). ومن حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال ثم من؟ قال أمك. قال ثم من؟ قال: أبوك. فمهما ازددنا تحضراً وعلماً وثقافة، فهناك ثوابت وأولويات لابد أن نحرص عليها جيداً فلا يمكن تجاهلها ولا يمكن تغييرها. لا يمكن أن نبني ونشيد بنياناً على حساب هدم البنيان الأهم..على المرء محاولة التوفيق بين أدواره في الحياة، كي ينجح فيها جميعها ويحقق غاياته وطموحاته.لكن لا يمكن أن يقول المرء أنه حقق نجاحاً باهراً أو انجازاً عظيماً في مجال ما، وكان ذلك على حساب الرسالة الأعظم قيمة والأسمى هدفاً في الحياة.... إن هذه الرسالة لا يمكن أن يتنصل منها أو يختصرها الآباء والأمهات تحت أي عذر، والأم بشكل خاص، لأنها رسالتها الأولى والأهم، لاشيء أسمى منها ولا شيء على حسابها، فإن فشلت تلك الرسالة.. فشل معها جيل بأكمله.. بل أجيال قادمة.

فاكس 6066701-02
ص.ب 4584 - جدة 21421

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved