توجيه النصيحة إلى رجال الهيئة واجبٌ يمليه علينا مبدأ التناصح الذي أوصانا به ديننا الحنيف، ومن حق هؤلاء الرِّجال الذين يعملون ليل نهار على أداء واجبهم في حراسة الفضيلة، وصدِّ تيارات الرذيلة، والانحراف الخلقي التي لا تخلو منها المجتمعات البشرية، من حقهم علينا أن نوجه لهم من النصائح ما يمكن أن يعينهم على القيام بواجبهم أحسن قيام وأكمله.
إنَّ من أهم مآخذ معظم الناس على بعض رجال الهيئة، «التجهُّم وعدم التفهُّم»، فما يكاد يصطدم أحد في قضيةٍ ما، أو موضوع معيّن ببعض رجال الهيئة حتى يشعر أنه أصبح محاطاً بسياجٍ من سوء الظنِّ يصيبه بخيبة الأمل ويجعله في موقف المتهم الذي ثبتت عليه التهمة مع أنها لم تثبت.
ولعلَّ هذه المشكلة تبرز بصورة أوضح في علاقة الهيئة بأصحاب المراكز التجارية والمحلات التجارية المختلفة، وهي مشكلة ناشئة في نظري من عدم استيعاب الطرفين لما يريده كل طرفٍ منهما، ماذا يريد التاجر، وماذا تريد الهيئة.
هنالك «هدف واضح» يعرفه الجميع، ألا وهو الحرص على سلامة سلوك المجتمع، وحماية الأعراض من الذئاب البشرية التي تتربص بأعراض المسلمين الدوائر.
هذا الهدف متفق عليه، يعرفه التاجر، ويعرفه رجل الهيئة، ولكن هنالك بعض التفاصيل والأمور الدقيقة التي تسبب الاختلاف، والتصادم أحياناً.
وهنا يأتي دور التعليمات الواضحة المكتوبة من الهيئة، وهذه مرحلة مهمة أطالب فضيلة الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعمل على تحقيقها، وأنا أعرف أن لدى فضيلته من الوعي الكامل بتطوُّر الأساليب ما يجعل تحقيق هذا الأمر ميسوراً.
جهاز الهيئات مطالب بأن يقدم لأصحاب المراكز والمحلات التجارية تصوُّراً واضحاً عما تريد منه الهيئة في مرحلة الإعداد والإنشاء، لأن ذلك يحقق مراد الهيئة ويريح التاجر، وليس من الصعب أن توضع خطة واضحة لهذا التعاون المبكّر الذي سيكون له دور كبير في تجاوز كثيرٍ من المشكلات، وإذا كان هنالك تفاهم بين التاجر والهيئة منذ البداية فإنَّ كثيراً من الخلافات ستختفي وفي هذا ما يريح الجانبين، كما أنَّ في هذا ما يحول دون تفريط بعض أصحاب المحلات التجارية وتهاونهم، ودون تجاوز بعض رجال الهيئة لحدود التعليمات المعروفة الصادرة من جهتهم الرسمية.
ويمكن أن يتم ذلك بالتعميم على أصحاب المحلات التجارية بالتنسيق مع مركز الهيئة القريب من محلاتهم قبل افتتاحها، وفق نظامٍ مدروسٍ تضعه الرئاسة العامة للهيئات توضح فيه الشروط التي يجب أن تتوافر في المحل التجاري بحسب نوع نشاطه، ولا بأس أن يكون هنالك ورقة تعتمد من مركز الهيئة بأن المحل التجاري موافق للشروط التي نص عليها النظام، شأنها في ذلك شأن الأوراق المعتمدة من إدارة «البلدية»، أو التجارة أو الدفاع المدني، أو مكتب العمل، وهذا يوفر على مراكز الهيئة، وعلى أصحاب المحلات التجارية أوقاتاً وجهوداً تضيع في مسائل الخلاف بينهم بسبب غياب التنسيق المسبق لهذه المسائل.
وهذا وحده لا يكفي، بل يجب أيضاً على الاخوة العاملين في مراكز الهيئات أن يكونوا على قدر كبير من الصبر وسعة الصدر، إلى جانب القوة المطلوبة في أداء الأمانة وتطبيق الأنظمة، وأنا أعرف، كما يعرف غيري من الناس أن من رجال الهيئة من يحتاج إلى أن يكون أكثر تفهُّماً، وأوسع أفقاً، وأكبر صبراً واحتمالاً للقضايا والمشكلات التي يصطدم بها في عمله ومع أن هذا الصنف قليل إلا أنه يؤثِّر في موقف بعض الناس من الهيئة ورجالها.
إذا وجد رجال الهيئة تاجراً واعياً حريصاً على أخلاق المجتمع وقيمه فإن عليهم أنْ يغلِّبوا جانب التفاهم معه بسعة صدر لعلاج بعض المظاهر التي يرون أنها مخالفة، خاصة أن الأنظمة التفصيلية الدقيقة التي يحتكم إليها المتنازعون في هذا الجانب ليست موجودة حسب علمي ، فإذا وجدت بالصورة التي اقترحتها سابقاً فإنها ستحل كثيراً من جوانب الاختلاف التي تحصل، وسوف تكون مرضية للجميع ومريحة لهم، آمل أن يجد هذا الاقتراح صدى طيباً عند المسؤولين في رئاسة الهيئات.
إشارة:
يا هيئة الإرشاد وجهك مشرق والمكرمات روائحٌ وغَوادي |
|