Monday 18th November,200211008العددالأثنين 13 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

آن لفارس الكفاح أن يترجل آن لفارس الكفاح أن يترجل
ابن الراحل/ فيصل بن عبدالله السويدي

(الى والدي الذي رحل في صمت العمالقة اهدي له هذه الكلمة مع خالص الوفاء والتقدير المنبعث من اعماق قلبي).
اجدني عاجزا ان اكف نفسي عن بث مشاعرها الجياشة، أولجم عواطفها المتوثبة، أو كبح جماح عوالج القلب الغارق في لجيّ الأحزان. فكيف السبيل الى السلوى، والكتمان والمنايا قد طوت رحمة مهداه، وغيبت عن دنياي ابا لا يفارقني ظله البتة، اجد في جلوسي معه ما يجده الجائع في حلو طعامه، وما يجده العطشان في نمير مائه، وما يجده المقر في دفيء ردائه، وما يجده الطفل من حنان امه بعد طول فراقه.
يعتريني شعور الإعجاب بشخصه المبجل عندما ارى جميل خلاله، أو ازداد معرفة اجلو بها عني غشاوة الجهل الدامس. كان يملأ قلبي وعيني وقاراً وهو يتشح بوشاح العلم، ويشتمل بردة الزهد كما كان يشنف سمعي بتلاوة قرآنية تزدان بالتجويد تارة، وتارة بحديث عذب عن ذكريات كفاحه المريرة يسوقها بصوته الرخيم يتجلى عن ثنايا ذلك الحديث إنسان قد حنكته التجارب، وعركته السنون اكتوى بالنوازل الصعاب لكنه وقف امامها كالشم الرواسي لم تضعف عزيمته نحو طريق المعالي بل زادته إصرارا وإقداما.
وحسبه من تلك الخطوب الفوادح انه مني بثلاثة منها احاطت به احاطة الأسورة بالمعصم ولازمته ملازمة الجسد للروح.
وهي العمى، والغربة، واليتم، لكنه لم يركن إلى الراحة، أو يخلد إلى السلامة بل غامر في شرف عظيم لنيل مجد مؤثل يبتغي به وجه الله، والدار الآخرة.
فصبر، واحتسب وحفظ القرآن الكريم كاملا وداوم على تلاوته طرفي النهار، وزلفا من الليل.
ثم تاقت نفسه الملحاحة للاطلاع على آفاق واسعة في علوم الشريعة، وحفظ المزيد من متونها الثرة وهذا لا يتأتى إلا بشد الرحال ومفارقة الأهل، ومرابع الصبا فآثر هجير الغربة على البقاء بين الأهل أسير الجهل فتجشم الشدائد العظام في سبيل تحقيق غاية ينشدها وتسكن روحه ولا تبرح مخيلته طرفة عين وهو البحث عن المعرفة والمكان الذي يحقق فيه الذات المغرمة بالعلوم الشرعية.
فركب راحلة السفر ويمم وجهه شطر الأحساء حيث كانت تحتضن معاقل العلم، وتشتهر بكثرة العلماء وملاذا لطلبة العلم.
فنزل تلميذا على المغفور له بإذن الله الشيخ محمد آل بوبكر فتلقى عن الشيخ الفقه الشافعي والعقيدة الطحاوية وبقي هناك عاما كاملا يعيش جو العلم والعلماء ما بين حلقة الشيخ وما بين مأواه الذي يأوي إليه إن أدركه التعب وهو رباط طلبة العلم. لكن النفوس إذا كانت كبارا تعبت الأجسام في تحقيق هدفها المنشود فهممه لا منتهى لكبارها وهمته الصغرى اجل من الدهر فما إن وصل الى الاحساء ومسح عن عاتقه غبار السفر حتى سمع عن العلامة الشيخ محمد بن ابراهيم وكانت سيرته قد طبقت الآفاق فأزمع والدي رحمه الله السفر الى نجد للدراسة على يد الشيخ محمد بن ابراهيم فطلب من شيخه محمد آل بوبكر أن يسمح له بالسفر إلى نجد لكن شيخه رفض بإصرار لما رأى من تلميذه حدة الذكاء وحرصه الشديد في العلم لكن والدي رحمه الله تعالى القى معاذيره بكل احترام وتقدير لشيخه فسمح له ودموع الفراق تنحدر من عيني الشيخ ودموع الوفاء تنهمر من عيني والدي رحمه الله تعالى.
بعد ذلك ركب راحلة السفر متجها إلى نجد ومحتسبا عند الله ما لقيه من وعثاء سفر استمر ثلاثة ايام يلتحف فيه الخضراء ويفترش الغبراء حتى وصل الى الرياض فزاحم طلبة العلم بالركب فأعجب الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله بمدى حرصه المتواصل وجده الذي لا يفتر فقربه الشيخ محمد بن إبراهيم وأمر له بصرف مكافأة مالية فحفظ عليه زاد المستقنع والعقيدة الواسطية وحفظ على يد أخيه الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم رحمه الله الرحبية في الفرائض.
بقي في مسجد الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله يتنقل بين رياض العلم وينهل من معينه الذي لا ينضب حيث تلقى كثيرا من العلوم والفنون استمر ردحا من الزمن حتى عام 1371هـ انصرف بعدها للدراسة النظامية فدخل المعهد العلمي بالرياض عام 1371هـ وأمضى فيه اربع سنوات تخرج منه عام 1374هـ التحق بعده بكلية الشريعة وفي أروقتها تتلمذ على يد كوكبة من العلماء منهم العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله والشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ محمد المختار الشنقيطي والشيخ عبدالرزاق عفيفي عليهم جميعا رحمة الله ومرضاته.
اخذت دراسته في الكلية طابع الكفاح فكان يتأبط كتبه بيمينه يبحث عن قارىء يقرأ عليه رغم قلة المتعلمين آنذاك، وان قربت الامتحانات بحث عن كاتب يكتب له وربما قربت ساعة الامتحان والكاتب لم يحضر في وقته فيبقى في وجل، وضيق يخشى فوات الامتحان.
كان هذا ديدنه وتلك سجيته طيلة دراسته في الكلية حتى تخرج منها عام 1379هـ وكان ترتيبه الرابع من بين ثمانين طالبا.
اختير للقضاء لكنه رفض تورعا وبقي بلا عمل طيلة ستة أشهر رغم الفاقة، وضيق ذات اليد لكنه فضلها على ممارسة القضاء.
عين بعد ذلك في المعاهد العلمية معلما فأرسل الى عنيزة والتقى هناك بفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى فشاطره هم الدعوة الى الله وأجبره الشيخ على إمامة المصلين طيلة بقائه في عنيزة حتى نقل الى صامطة لحاجة تلك المدينة إلى دعاة ومصلحين وذلك عام 1381هـ فالتقى هناك بالشيخ عبدالله القرعاوي رحمه الله فشارك والدي رحمه الله الشيخ عبدالله القرعاوي شؤون الدعوة الى الله والإفتاء ووكله الشيخ إمامة المصلين في غيابه وبقي هناك حتى عام 1383هـ اذ قرر والدي رحمه الله تعالى الرحيل لظروفه الخاصة التي تتطلب منه ذلك رغم إلحاح الشيخ عليه بالبقاء ولكنه رحمه الله أبى إلا الرحيل.
انتقل بعد ذلك الى شقراء عام 1383هـ للعمل في معهدها العلمي واتصل هناك بالشيخ سعد المبارك قاضي شقراء فألزم والدي رحمه الله إمامة المصلين وكان والدي رحمه الله يتحرج لكن الشيخ رحمه الله أبى عليه إلا الإمامة فتولاها بضع سنوات حتى قرر الرحيل عن شقراء بعد مضي عشر سنوات قضى خلالها اجمل ايام عمره وتخرج على يديه ثلة من الطلاب الذين تولوا مناصب مرموقة في الدولة كما رزق فيها اربعة من الذرية من بينهم كاتب هذه السطور.
وفي عام 1393هـ انتقل والدي رحمه الله تعالى الى الرياض وعمل في معهدها العلمي حتى عام 1402هـ بعدها ابتعث الى دولة الامارات العربية المتحدة للدعوة، والتعليم ومكث هناك اربع سنوات ثم عاد بعدها الى الرياض وعمل في المعهد العلمي بالشفا من عام 1407هـ وحتى عام 1409هـ حيث بلغ السن القانونية للتقاعد وأرادت جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ان تمدد في خدمته لكنه رفض لظروفه الصحية. حيث أصيب بمرض باطني تفرغ بعده للتدريس في المسجد المجاور لمنزله فازداد به المرض فانتقلت دروسه الى مكتبته العامرة في المنزل فازداد به المرض، بعدها نقل الى المستشفى ودخل في غيبوبة حجبته عن الوعي لمدة خمسة ايام حتى قبضت روحه وسلمت الى باريها صبيحة يوم الاحد الموافق للثامن والعشرين من شهر شعبان لعام 1423هـ.
ايها الراحل المودع لقد أبليت في الحياة بلاء حسنا وسطرت صفحة (مشرقة) في سجل البطولات المشرفة يزدهر بها التاريخ وتسير على نهجها الاجيال الواعدة.
ايها الراحل المودع كم أحزننا فراقك فأثرت كوامن النفس كلما جال وجهك في خلدي فأسأله أهذي فرقة الابدي؟
أيها الراحل المودع طبت حيا وميتا وخدمت أمتك في حياتك وبعد مماتك فبوركت روحك التي بين جنبيك وهنيئا لقبر ضم جسدك الطاهر.


مضى طاهر الأثواب لم تبق روضة
غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفا فإنني
رأيت الكريم الحر ليس له عمر

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved