بقدر ما قد يربك حسابات أمريكا التي تخالها محسومة ومستتبة في المنطقة وبقدر ما يقلق إسرائيل بشكل أكبر فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة تحفظاً على الهوية السياسية للحزب وعلى ارتباط سيرة رجب أردوغان السياسية بحزب الرفاه الإسلامي الذي كان قد أوصله إلى رئاسة بلدية اسطنبول سابقاً، بقدر ما يأتي هذا الموقف تعبيراً عن خوفهما من أن يؤثر هذا الفوز على تحالفات تركيا الاستراتيجية معهما. هذا بينما يتفاءل عدد كبير من العرب والمسلمين بأن يأتي الى السلطة في تركيا من لا يخجل من تاريخ البلاد الإسلامي ومن لا يحاول أن يخفي ذلك التاريخ تحت الأظافر محاولة للالتحاق بالغرب وان كان ذلك على حساب الهوية الحضارية لأغلبية الشعب التركي، وداعي التفاؤل هو أن يأتي إلى السلطة التركية من يحمل برنامجه الانتخابي كلفاً وحرصاً على العلاقة بالعالم العربي والإسلامي احتراماً للأغلبية المسلمة في المجتمع التركي واشرئبابا إلى علاقة أقل إذعانا للغرب مما يتيح علاقة أكثر عدالة معه.
وبغض النظر عن تلك التعليقات الصحفية العجلى التي رأت في بعض تصريحات أردوغان بعد فوز حزبه مباشرة تطمينات للغرب كقوله بان حزبه لن يعمد في ادارة البلاد الى سياسات مبنية على دوافع دينية، فإن فوز هذا الحزب بغالبية تمكن غير العسكر من تشكيل الحكومة أو على الأقل تمكنه من تشكيلها بعيداً عن ضغوط المؤسسة العسكرية يجعل من الصعب قراءة مثل تلك التصريحات خارج سياقها السياسي، فذلك الموقف يبدو وكأنه استوعب درس عدد من التنظيمات الإسلامية في تركيا وسواها . فيحاول عدم التأسيس على مصادمات ايدولوجية قد تؤدي إلى تناحر جماعي يصل إلى درجات دموية مع المستوى الداخلي أو تضاد خارجي يصل إلى حد الاقتراب غير المتكافئ، كما يبدو وكأنه يريد أن يؤسس لعلاقات خارجية بالغرب لا تتنازل عن حقها في الاختلاف دون أن تطرح ذلك الاختلاف في صورة قطيعة حتمية معه كما كان الغلو والتنطع يؤدي بالبعض، ومن هنا يأتي تفاؤل عدد غير قليل من المحللين السياسيين بان تتجاوز تجربة هذا الحزب الجديدة بجذوره الإسلامية المعتدلة «عقدة الإسلام السياسي» في المنطقة وتصحح ذلك المسار الذي قد لا يرى في استخدام الآلية الديموقراطية إلا وسيلة للوصول إلى احتكار السلطة وتحريم تداولها، ليقدم كبديل لذلك نموذجاً يستوعب التعدد الاجتماعي والسياسي في المجتمع الواحد ويقر بحقه في التواجد والتمثيل كما يعرف أن السعي لاقامة علاقات دولية عادلة بالغرب والشرق معاً لا يمكن تحقيقه في عالم اليوم بالانعزال أوالمعاداة والعنف والقطيعة.
إلا أن ما تقدم ليس إلا جانباً واحداً من الأسئلة والتحديات، إذ يعيد فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات التركية فتح عدد من الأسئلة التي تشكل اشكالية حضارية أكثر منها مجرد اشكالية سياسية بالمنطقة اذ تضع تركيا اليوم وكما وُضِعَت ايران بالأمس منذ قيام الجمهورية الإسلامية فيها إلى اللحظة أمام سؤال تعددية القوى السياسية والخيار السياسي وفي الوقت نفسه الجسور لتعامل يرفض الانصياع للغرب دون القطيعة معه كما كتب عدد من الاكاديميين الإيرانيين، فانه أيضاً يطرح على الغرب سؤالاً لا يقل تحدياً وهو سؤال مدى قدرة الغرب على التعامل واقامة علاقات دولية عادلة مع المجتمعات التي تختار «ديموقراطياَ» مرجعية حضارية وسياسية غير المرجعية الغربية.
وقد يمثل الموقف الغربي من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي بعد التغيرات التركية الأخيرة محكاً لهذا السؤال، لقد تم تبني قبول ترشيح تركيا للانضمام الى الاتحاد الأوربي في قمة هلسنكي عام 1999 هذا بينما يتجدد اليوم موقف المستشار الألماني السابق هلموت كول على لسان الرئيس الفرنسي السابق جيسكار دستان في اطلاق تصريحات تعبر عن عدم الرضا بدخول تركيا الى الاتحاد الأوربي بحجة اختلاف منظمومتها القيمية عن المنظومة الغربية، وفي هذا كما يرى البعض ليس تهميشاً لأي عوامل اتحادية أخرى كالعلائق الجغرافية وسواها بل ان فيه أيضاً ما يوحي بنزعة تعصبية غربية تؤسس على اقصاء أي اساس تعددي في الهوية الحضارية والتاريخية للاتحاد الأوربي. وأحد الأسئلة غير السهلة في هذا السياق والمربكة حرص تركيا على البلاء الحسن في مجال اقرار الديموقراطية وحقوق الانسان بما يؤهلها للانضمام إلى الاتحاد الأوربي هو بعض العوامل المؤثرة في فوز حزب العدالة والتنمية فهل يستقبل الغرب ممثلاً في الموقف الأوربي من انضمام تركيا الى الاتحاد شروط اللعبة الديموقراطية عندما تختلف مع توقعاته أم انه سينقلب على أصول هذه اللعبة عندما تأتي الى السلطة بمن لا يريد الغرب اقامة علاقات متكافئة معها.
كما أن السؤال غير السهل الذي تواجهه القوى السياسية الجديدة في تركيا اليوم هو سؤال كيف يصير فوز حزب العدالة والتنمية «الإسلامي المعتدل»تعبيراً عن استيعاب وتطبيق لآليات سياسية بشأن نزعة التعصب ليس لاغراض برجماتية كما كتب الكثيرون ولكن وعياً بشروط الزمان والمكان التي تتطلب مواقف عقلانية في العمل على المستويين الداخلي والخارجي ولله الأمر من قبل ومن بعد.
|