Thursday 21st November,200211011العددالخميس 16 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

قطرات ندى قطرات ندى
منحنى الإبداع
د. شريفة سلامة أبو مريفة

لايضاح معدلات النمو في النباتات يستخدم في علم النبات منحنيات تسمى منحنيات النمو، وهي كثيرة، ومتعددة وعند دراسة منحنى نمو مثالي فإننا نلاحظ أن هناك ثلاث مراحل يرصدها هذا المنحنى لدورة حياة النبات، إذ يكون النمو في بداية المرحلة الأولى بطيئاً ثم يزداد مع الزمن، تليها المرحلة المستمرة حيث يستمر نمو النبات بمعدل ثابت وعادة ما يكون هذا المعدل بأقصى سرعة لبعض الوقت حيث تبلغ تفاعلات البناء ذروتها، أما المرحلة الأخيرة أو الطور الأخير من أطوار هذا النمو فهو طور الشيخوخة الذي يتميز بمعدل نمو منخفض حيث إن معدلات تفاعلات الهدم في هذا الطور تفوق معدلات تفاعلات البناء، تلك هي دورة حياة النباتات في علم الأحياء، وما يقال في هذا العلم يصدق في عالم أو علم الفن والإبداع، فالمخيلة المبدعة لها زمن تتوهج فيه فتشع عطاءً متألقاً.. يخبو بعدها هذا التوهج حتى ينطفىء فكما أن للعمر مرحلة فتوة ونضارة، كذلك الإبداع له وهج وبريق يحكمهما زمن بعينه، تلك هي طبيعة الأشياء وحقيقتها وناموس هذا الكون الذي خلق الله فيه كل شيء بقدر، كثيرون لايعون هذه الحقيقة فيستجدون البقاء في الذاكرة وما علموا أن الذاكرة تلفظ ما يسطرون، يتشبثون بجدار أسماعنا وأبصارنا وما علموا أن بعض الحضور غياب، وجل الغياب حضور، طرقت الشيخوخة أبواب حروفهم ومخيلة إبداعهم، ومراكز عطائهم وما زالوا يدبجون إبداعهم المتوهم، والمصيبة لاتكمن في هذا الإبداع القسري الذي يظنونه اغترافاً من نهر بل في الزمرة المحيطة التي تحتفي بهؤلاء تصفق لوهم الابداع أو الابداع المتوهم، فليت أولئك يضعون أقلامهم ويدركون عظم المسؤولية الملقاة على عاتق حروفهم.. لتبقى تلك الحروف مستألقة حاضرة في القلب والروح فلا يجرف غثها سمينها ولا يقتل شيبها شبابها، فالقمة هي مغادرة القمة قبل أن تطرح صاحبها أرضاً، فلماذا لايملك هؤلاء جرأة الانسحاب والاعتراف ببلوغ الطور الثالث من أطوار منحنى الإبداع، فالتقدم يتطلب جرأة، أما التأخر فيتطلب جرأة أكبر، رموز كثيرة تصر على التقدم رغم التأخر، تصر على الحضور رغم الغياب يظل هذا الحضور ضبابياً ولربما معتماً، حتى مع وجود الفئة المرحبة بهذا الحضور إذ يكفي أنه ممهور باسم شاعرنا الذي كان، رموز أقل توارت قبل أن يواريها انحدار هذا المنحنى، فتأخرت ولم يغرها بريق التقدم ولعل في هذا الكثير من الذكاء المتواضع والتواضع الذكي الذي جعل مثل هذه الرموز تظل حاضرة في ذاكرة القلب والروح حضوراً مضيئاً كيوم أبدعت وتألقت، فهل نسمع يوماً بشاعر يعلن اعتزاله ومغادرته مدينة الشعر تاركاً مكانه لشاعر آخر تلوح بوادر إبداعه في الأفق ليأخذ دورته الإبداعية الطبيعية، هل من شاعر معتزل.. أو مبدع متقاعد لنصفق بكل حرارة لهذا الغياب الذي هو أجمل حضور وأروع إبداع؟

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved