ترى ما الذي جاء بمطر الشعر؟!
لم أعرف جنة أمي التي توفيت، ولي من العمر سنتان، عام 1378هـ، فرعتني أختي الكبرى عائدة رحمهما الله، وكانت بمنزلة الأم حقاً لا قولاً، إلى أن أكملت السنة الأولى الابتدائية في مدرسة «عرين» في الرياض، وما ان عاد والدي من رحلته العلاجية في «بيروت» حتى عدنا إلى الطائف الجبلي، والندى، والتنوع المثري لعيون الطفولة النهمة، المتسعة لدهشة الألوان، والتعدد، والاختلاف.
كانت الطائف محطة للجموع القادمة من مكة وجدة، والجنوب، وجنوب الجنوب، من البحر والجبال، وما وراء البحار والجبال.
مع هذا الثراء أكملت المرحلة الابتدائية، والأول المتوسط، لدى «المغيرة بن شعبة»، و«أبي محجن الثقفي» وكنت الأول طيلة تلك السنوات، إن كان لذلك أهمية، إلا أنني كنت محباً للقراءة، وأجيد اللغة، مما أشركني في النشاطات المدرسية، ومنها الإذاعة، والخطابة، فإذا ما وقفت أمام المايكريفون، أو الناس، خجلت، وتلعثمت، فَلحَنْت، وأحرجت أساتذتي الأفاضل المتحمسين لي، العارفين بي دون ما يكريفون.. ودون الأعين الراصدة.
ومع ذلك نلت جوائز عديدة كان أثمنها كتابان هما «شبهات حول الإسلام» لمحمد قطب، و«الطريق إلى الإسلام» على ما أذكر، حيث بدأت قراءاتي تأخذ طابعاً جاداً، بعدأن كنت مولعاً وبطريقة «سوبرمانية» بالمجلات المصورة لسوبرمان، والوطواط، وميكي ماوس، متنقلاً بين مغامرات ارسين لوبين لالكسندر دوماس على ما أظن، ومغامرات أبي زيد الهلالي، وعنترة العبسي.
وأذكر أنني قرأت رواية «الأرض الطيبة» خلسة، ملتهماً كل ما ينساه اخوتي من كتب في زوايا البيت الصغير الكبير ذي الأسقف الخشبية، والباحة ذات الورد الطائفي والفل والياسمين.
ولم تكن بساتين الفاكهة.. العنب والرمان والتين، والسحاب والضباب في راحة اليد، والأمطار والسهول والأودية والجداول والجبال، وحدها التي تسرق الطفل.
كان هنالك نبع آسر آخر هو «مكتبة السيد» لبيع وتبديل وتأجير الكتب، كنت أتأمل كائناتها العجيبة الغريبة، الصغيرة الكبيرة، الجديدة، المهترئة، جاهلاً، برفقة اخوتي، فإذا بي أتسلل إليها كلما كوفئت من الوالد أطال الله في عمره.
وفي الأول المتوسط وقعت على «جواهر الأدب» ومجموعة من دواوين الشعر العربي بأغلفتها الموحدة الصفراء، فأوغلت في أبوابها، وميادينها الرحبة، فكنت «أشجع» جريراً على الفرزدق والأخطل، وأتمنى أن يبزهما، وان كنت حزنت حزناً شديداً، وندمت فعلاً ندامة الكسعي على فراق الفرزدق لمطلقته نوار، ولم يفق ذلك الحزن إلا حزني على صخر، ودموع الخنساء، والأطفال زغب الحواصل بذي مرخ.
أما زهوي فكان للمتنبي، وكنت أنتصر له على خصومه حتى اني كنت أكرههم إلى درجة الحقد.
لقد كان من متع الطفولة الركض في الطقس: القبض على السحاب، واختراق الضباب، والاغتسال بالمطر،وتفقد قوس قزح، والركض في الأرض، تسلق الجبال والصخور، والأشجار، والقفز في الجداول، وصيد أسماك المياه العذبة، وملاحقة الطيور والأرانب والفراشات الذاهية..
وكان النوم جميلاً كنسمات الطائف، يتسلل إلى الأهداب مع غروب الشمس، مع التعب الجميل، ويستقر بعد صلاة العشاء، نوم ملكي في عرش الطفولة الباذخ.
ولكن كل تلك المتع لم تمنعني من حضور المعارك العظيمة، واقتحام ساح الوغى، تمسكاً برداء أبي تمام تارة، وتارة بيمين المتنبي، مأخوذاً ببريق السيوف والتاريخ والشعر.
|