اطلعتُ على المحور الأدبي الثقافي الذي طرحه الاستاذ محمد بن عبدالله الهويمل عبر ثقافة اليوم في جريدة «الرياض» يوم الخميس 25 من شعبان من هذا العام 1423هـ عن ثنائية «الإعلامي والأدبي» لدى الفنان، وعن طبيعة الظل الذي يرمي به الإعلامي على الأدبي داخل المبدع ساعة يكون ذا وظيفة جماهيرية؟..
أبدع الأستاذ «الهويمل» في الطرح، وفي الإشارات، وتألقت الجريدة في العرض والإخراج، وخلت المسألة من الأخطاء، فجاءت كافية وافية مبهجة!.
شارك في تحليل المحور كل من محمد المنيف، هدى الدغفق، يوسف المحيميد، سحر الرملاوي، محمد عابس، رجاء العتيبي، وماجد الحجيلان، بالإضافة الى كاتب هذه السطور.
أبادر أولاً: وأعبّر عن احتفالي بالمشاركة في تحليل تلك الإشكالية التي جسدها المحور بتداعياته، حيث وجدت فيه - أي المحور - إفصاحاً عن تجربة مررت بها، وعشتُ تفصيلاتها، ومازلت منفعلاً بتحولاتها..
ثم اسجل هنا أني سررتُ بالمشاركات، حيث تنوعت الرؤى وتعددت طرق التناول، وتم عرض التجارب بشكل ايجابي..
غير أن هناك فقرة في مشاركة القاص يوسف بن ابراهيم المحيميد يمكنني جداً ان اعدها نقطة الضعف الوحيدة من بين المشاركات، ذلك لأنها اثارت لدي كثيراً من الخيبة والاحباط، وشكلت استثناءً سلبياً من مجمل الطرح وقبل ان اشرع في تحليل ذلك وتفسيره اسجل فيما يلي ما كتبه «المحيميد» بالحرف الواحد:
«.. أما مسألة احتراق الشاعرية وتآكلها تحت الوهج الإعلامي فهذا ينطبق لمن يلهث خلف الإعلام وهم كثرة في الشأن الإبداعي.. أظنُّ ان من يسعى خلف الوهج الإعلامي سيكون حضوره مؤقتاً، وسيهمله الإعلام لاحقاً والتاريخ سريعاً، وليس أقرب مثالاً على ذلك من تجربة كثير من شعراء السبعينيات والثمانينيات لدينا وهم الذين تُفرد الصفحات لقصائدهم وتطنطن الصحف والنقاد حولها لأسابيع، وبالتالي لم نعد نرى أحداً منهم، وكأنما هم شهب حرقت سريعاً، ثم احترقت»..
هذا ما كتبه وسجله القاص «يوسف المحيميد» وهنا لستُ معنياً باللغة، ولا بطريقة التناول، ولا بالأسلوب، فهذا شأن الكاتب وقدره ومقدرته..
كذلك لا اريد ان اطيل الحديث حول سوء الاستشهاد والمثال، ولا عن عملية الاقحام المفتعلة، فتلك طريقة في الكتابة كما هي طريقة في الكلام والتفكير الذي يعنيني هنا، واعتقد جازماً انه يعني الساحة الأدبية والثقافية بعامة أنها أي فقرة السارد «يوسف المحيميد» - في حال القبول بها تجنَّت على رموز مرحلة - السبعينيات والثمانينيات - وعلى الخطاب الثقافي النقدي المُصاحب للتجربة الشعرية الإبداعية في تلك المرحلة، فقد حكم القاص «المحيميد على تجربة شعراء السبعينيات والثمانينيات بأنها تجربة طارئة وبلا جذور بزغت فجاءةً ثم تدمرت واحترقت كالشُهب التي تحولت الى بقايا ورماد.. هكذا!!. كما تطاول على الخطاب النقدي الثقافي الموازي لهذه التجربة، وعلى الأعمال المصاحبة - التحليلية والوصفية - ووصفَها بأنها - فقط - عبارة عن «طنطنة»، وتهريج، وكلام بلا رصيد..!.
وماذا يعني ذلك؟!.
انه يعني في أقرب تحليل وأدنى تفسير: ان تجربة رموز كبيرة مثل: محمد الثبيتي وعبدالله الصيخان، وعلي الدويني، وعبدالكريم العوده، ومحمد بن جبر الحربي، ومحمد الرويني، ومحمد بن عبيد الحربي، وخديجة العمري، وهيا العريني، وغيرهم من مبدعينا انها تجربة مبتورة، غير حقيقية اعتمدت في حضورها المؤقت على التطبيل والدعاية!!.
كما يعني من جانب آخر ان في امكان أي مُبدع يجرب حظه في الكتابة ان يصادر إنجازاً عظيماً مثل إنجاز تلك المرحلة، وأن يمسح بجرة هاجس ابداع جيلاً من الأجيال دون أدنى احترام أو تقدير.
ثم أيمكن أن يبلغ بنا التردي وسوء الانتماء الى درجة ان نطلق على خطاب ثقافي نقدي فاعل انه - فقط - «طنطنة»؟! وهل يعقل ان ننظر الى أعمال النقاد الكبار امثال: د. عبدالله الغذامي، ود. سعيد السريحي، ود. سعد البازعي، ود. عالي القرشي، والاستاذ عبدالله بامحرز - رحمه الله- ، ود. محمد الشنطي، والاستاذ نسيم الصمادي، والاستاذ محمد عواد، وغيرهم على أنها «طنطنة»، وصراخ إعلامي، وردح صحافي مقيت لا يمت الى الأدب والثقافة بصلة؟!.
ثم.. ألم يجد السارد يوسف المحيميد في قاموس الافصاح والتعبير العريض الطويل كلمة أجمل وأرقى وأنقى من كلمة «طنطنة» و«تطنطن» التي استعارها من أقرب سياق عامي مبتذل؟! يا لسوء الاختيار!! ابادر هنا، وأشير الى ان من حق أي متابع وكاتب ان يسجل موقفه، وان يعلن رأيه، وان يقول ما يريد إزاء أي قضية، او مسألة، أو اشكالية، او مرحلة، أو اسماء معينة.. وليس في وسع احد - أي أحد - ان يصادر ذلك، وهذا لا مراء فيه، غير ان المشكلة في حالة القاص «المحيميد» مع جيل السبعينيات والثمانينيات ليست في «الرأي»، ولا في «الموقف»، ولا - حتى - في الاستشهاد والتفسير، وإنما المشكلة تتمثل في التجني، والافتراء، وتغييب الحقائق، وتشويه التاريخ الأدبي لمرحلة من المراحل أمام قارئ أو مُتلقّ قد لا يعرف شيئاً من ذلك التاريخ! ذلكم أيها السادة هو المرفوض بشدة.
كما يوحي أسلوب «المحيميد»، ولغته، وطريقة استشهاده بأنه كان ينتظر فرصة ما ليفصح عن شيء بداخله، أقول ذلك، لأن القاص «يوسف المحيميد» يعدّ - على أي حال - من جيل الثمانينيات، فهو يدرك ويعرف - قبل غيره - السر الحقيقي، والسبب الصحيح، والمناخ الفعلي الذي كان وراء غياب جيل السبعينيات والثمانينيات، وتوقف نشر إبداعهم، ثم هو يدرك، ويعرف - قبل غيره كذلك - ان ما كتبه النقاد والمحللون آنذاك لم يكن «طنطنة» كما يقول، ولم يكن تهريجاً ولا تطبيلاً ولا تزويراً إعلامياً كما يوحي بذلك رأيه وموقفه، وإنما كان خطاباً ثقافياً محترماً يؤسس لمرحلة من التناول والتحليل الأدبي والنقد الثقافي نحن الآن نجني ثماره، ونسعد بتلقيه في صحفنا ومجلاتنا، وفي الكتب التي مازالت تصدر تباعاً، ولست في حاجة الى ضرب الأمثال، وذكر النماذج، وطرح الأسماء، فيوسف المحيميد - وهو المشرف الثقافي الأدبي في مجلة اليمامة - على يقين مما سبق، ويعي ذلك، ويفيد منه بشكل وبآخر.
وهنا.. لا أريد ان اتمادى بشكل رثائي، فأذكّر بظلم ذوي القربى، كما لا أريد ان اطيل امد المؤاخذة فأشير - مثلاً - الى مسألة عدم استيعاب المحور المطروح.. عدم استيعابه من قبل القاص «المحيميد» او أحْدِسَ بأن حاجة ما في نفس أبي يعقوب كانت وراء اقحام تجربة السبعينيات والثمانينيات - شعراً ونقداً - في محور وسياق من الصعب ان يتقبل استشهاداً بهذا الشكل وبهذه الطريقة ضمن فقراته.. تماماً مثلما انه لا يسرني ابداً ان أنبه الى أن لغة استفزازية، ورغبة في النكاية وروحاً من الشماتة قد تلبست السارد «يوسف بن ابراهيم المحيميد» وهو يكتب مشاركته إنما الذي يحز في النفس حقاً.. هو : ألا يدرك كاتب فنان مثل «يوسف» الفرق المذهل بين التوقف والنضوب والنهايات وبين عدم النشر، وان يشيح المبدع عن الساحة لسبب جوهري ما..!! تلك هي المسألة أو قل: تلك هي الكارثة..
|