إعداد: عبيدالله الحازمي
للإمامة في الصلوات مكانة جليلة في الإسلام، كما انها مسؤولية كبيرة تقتضي ان يتصف الإمام بأوصاف مخصوصة، منها ان يكون قارئاً لكتاب الله مجوداً له، وان يكون عنده فقه كاف لأحكام الصلاة.
وإن كان المسجد جامعاً فينبغي ان يكون عنده علم أوسع بأحكام الشرع، وان يكون متأدباً بآداب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة حتى يستطيع أداء أمانة الخطابة على الوجه المطلوب.
وإن الإمامة في المسجد الحرام والمسجد النبوي مسؤوليتها أعظم من مسؤولية الإمامة في أي مسجد آخر، فإن الإمام فيهما يصلي خلفه المسلمون الوافدون من كل أنحاء العالم، وخاصة في المواسم، ويسمع خطبه مئات الآلاف من الناس ويُسمع صوته في أرجاء الدنيا.
لذا يراعى عند تعيين الإمام في المسجد الحرام أو في المسجد النبوي أن يكون حافظاً لكتاب الله، ومجوداً له، وأن يكون من أهل العلم المعروفين بالتحصيل الشرعي الواسع، حسن السمت متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة وعملاً، صاحب خلق حسن وسيرة مرضية، له قدرة في أداء وإجادة الخطابة في الجمع والأعياد على وجه حسن.
ويتولى الإمامة والخطابة بالتناوب في المسجد الحرام في الوقت الحاضر ستة أئمة وفي المسجد النبوي أربعة أئمة.
التدريس في المسجد الحرام والمسجد النبوي
إن التعليم والتدريس والدعوة والتذكير من أهم الأمور التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه من أهم وسائل الدعوة إلى الله تعالى كما قال تعالى: {هٍوّ الذٌي بّعّثّ فٌي الأٍمٌَيٌَينّ رّسٍولاْ مٌَنًهٍمً يّتًلٍو عّلّيًهٌمً آيّاتٌهٌ وّيٍزّكٌَيهٌمً وّيٍعّلٌَمٍهٍمٍ الكٌتّابّ وّالًحٌكًمّةّ}.
وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المساجد وغيرها للتذكير والتعليم.
وكان التدريس والتذكير في المساجد من عمل المسلمين في كل عصر ومصر، وكان المسجد الحرام والمسجد النبوي مركزين للعلم في القرون الأولى، ثم أصبح بعدها يَضْعُف نشاط التعليم فيهما أحياناً، ويقوى أخرى نتيجة لأحوال المدينتين السياسية والاقتصادية.
ذكر الذهبي في كتابه «الأمصار ذوات الآثار» ازدهار العلم في مكة في القرنين الأول والثاني ثم قال: ثم في أثناء المائة الثالثة تناقص علم الحرمين وكثر بغيرهما.
ولما تولى الملك عبدالعزيز رحمه الله أمر الحرمين الشريفين أصدر أمره الملكي في ربيع الثاني عام 1345ه بتكوين هيئة علمية تتولى الإشراف على سير الدروس في الحرم المكي وأصدر نظاماً عاماً للتدريس في المسجد الحرام.
ثم في عام «1345هـ» أمر بتأليف هيئة لمراقبة الدروس في المسجد الحرام برئاسة رئيس القضاة في الحجاز كما أمر بتعيين عدد من كبار العلماء للتدريس بالمسجد الحرام وخصص لهم مرتبات مشجعة وأمر ان يرتب لكل طالب خمسة ريالات عربية في كل شهر وان تُمنح جوائز للنابهين من الطلبة في آخر السنة.
وفي السنة نفسها أمر بتأسيس مدرسة في مكة للمطوفين يتلقى فيها المطوفون بعض الدراسات الشرعية ذات الصلة بطبيعة عملهم.
وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله صدر أمره السامي بإنشاء رئاسة عامة للإشراف الديني بالمسجد الحرام في 4 رمضان المبارك عام 1384ه وعُين أول رئيس لها سماحة الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد رحمه الله وفي عام 1385ه صدرت الموافقة السامية بتأسيس معهد نظامي بالمسجد الحرام سُمي معهد الحرم المكي ووضع له منهج متكامل في علوم الشريعة والتاريخ الإسلامي واللغة العربية ولوائح للقبول والدراسة والامتحانات والاجازات وكان ذلك تحت إشراف سماحة الرئيس العام للإشراف الديني بالمسجد الحرام، فالتدريس في المسجد الحرام على نوعين:
الأول: في معهد الحرم وموقعه داخل أروقة المسجد الحرام.
والغرض من كونه داخل المسجد الحرام زيادة عدد الدروس في المسجد الحرام وليكون المسجد عامرا بالدروس العلمية في الفترة الصباحية، وليستفيد من هذه الدروس إضافة إلى الطلاب المنتظمين به من مرتادي المسجد في هذه الفترة.
ويضم المعهد حالياً القسم الإعدادي ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات يحصل الطالب بعد النجاح فيها على الشهادة المتوسطة.
والقسم الثانوي ومدة الدراسة فيه ثلاث سنوات يحصل الطالب بعد النجاح فيها على الشهادة الثانوية التي تمت معادلتها بشهادات المعاهد العلمية بالمملكة من قبل وزارة المعارف.
ويصرف للطلبة المنتظمين مكافأة شهرية قدرها «450» ريالا وهناك سكن للطلبة العزاب من غير أهل مكة كما ان المعهد يقبل الطلبة المنتسبين وهؤلاء يحضرون فترة الاختبارات فقط، وقد بلغ عدد طلاب المعهد في العام الدراسي «1418 1419ه» «1061» طالباً منتظماً ومنتسباً.
وللمعهد جهاز إداري وتعليمي كامل ومستوى الدراسة في المعهد عال بفضل الله، يؤهل الطالب تأهيلاً شرعياً جيداً، يُدرس فيه القرآن الكريم والتجويد والفقه وأصوله والتفسير وأصوله، والحديث وأصوله مع علم الفرائض والسيرة والتاريخ والبلاغة واللغة العربية ويؤهل خريجيه للالتحاق بالجامعات في كلياتها النظرية، وقد نفع الله تعالى بهذا المعهد نفعاً عظيماً وتخرج فيه منذ إنشائه عدد كبير من جنسيات مختلفة عاد كثير منهم إلى بلادهم مشتغلين بالدعوة إلى الله تعالى.
النوع الثاني من التدريس في المسجد الحرام
حلقات المشايخ التي تعقد في أنحاء المسجد الحرام بعد أداء الصلوات، يدرس فيها علوم مختلفة من التوحيد والتفسير والفقه والحديث واللغة العربية والفرائض ويقوم بالتدريس فيها أئمة المسجد الحرام وعدد من أعضاء هيئة كبار العلماء وبعض أساتذة جامعة أم القرى وبعض القضاة وغيرهم من العلماء.
وهناك نوع ثالث من التدريس وهو تحفيظ القرآن الكريم في المسجد الحرام ووقت الدراسة في جميع حلقات التحفيظ بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء وتشرف عليه جمعية تحفيظ القرآن الكريم.
وأما التدريس في المسجد النبوي الشريف فهو عن طريق حلقات المشايخ، ويقوم به أصحاب الكفاءة العالية من المشايخ المعروفين بالعلم والصلاح من أئمة المسجد النبوي وأساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبعض القضاة والعلماء في المدينة بعد أداء الصلوات ويدرس في هذه الحلقات العلوم التي تدرس في المسجد الحرام.
كما ان في المسجد النبوي الشريف حلقات لتدريس القرآن الكريم يدرس فيها بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء وتشرف عليها جمعية تحفيظ القرآن الكريم.
شكر وتقدير
في نهاية هذه الحلقة نشكر فضيلة نائب الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام الدكتور محمد بن ناصر الخزيم حيث قام بتعميد الجهة المختصة بتزويدنا أثناء زيارته بمعلومات قيمة عن الحرمين الشريفين والعناية والاهتمام بهما من قِبل حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني والجهود التي تبذلها شؤون الحرمين لخدمة المعتمرين والحجاج وسوف نواصل إبراز هذه المعلومات تباعاً خلال هذا الشهر الكريم لقراء «الجزيرة» وتلك المعلومات من مؤلفات الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.
|