Thursday 21st November,200211011العددالخميس 16 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

من أعلام الأدب الشعبي من أعلام الأدب الشعبي
محمد الأحمد السديري شاعر الأصالة والمعاصرة

محمد الأحمد السديري شاعر لن ينساه الشعر الشعبي «النبطي» على مر العصور، فهو أحد أعلامه المتأخرين، وممن أثروه بأروع القصائد وأجملها، شاعر وهب للشعر الكثير والكثير، سواء من خلال قصائده الجزلة، أو من خلال مؤلفاته القيمة في هذا المجال.
وهو رجل دولة ورجل أدب، كتب عنه الكثير ورثاه الكثير، وأشاد بفضله الكثير.
شاعر استطاع أن يوفق بين أصالة الشعر والعصر الذي عاش فيه.
حافظ مع من عاصره من الشعراء الكبار على هوية الشعر الشعبي في زمن التحول والثقافات المتعددة والحداثة، واستطاعوا أن يرسوا به في بر الأمان.
تناقلت اشعاره الركبان، وانتشرت بين الناس، في وقت لم تكن فيه صحافة ولا اذاعة ولا تلفاز ولا دواوين مطبوعة ولا صوتية، واصبحت بعض أبياته مضرباً للامثال.
وسأتحدث هنا عنه ليس كأمير أو رجل دولة، ولكن كأديب وشاعر ومؤلف وراوية، كأديب واسع الاطلاع، وكشاعر افنى قريحته ابداعاً، وكمؤلف خط بيراعه مؤلفات مهمة في مجال الشعر الشعبي والقصة الشعبية، وكراوية حفظ لنا أجمل القصائد الشعبية وأعذبها ودوَّنها.
كان - رحمه الله - مدرسة من مدارس الشعر الشعبي.. ويحاول العديد من الشعراء الشعبيين اقتفاء أثره، ويعتبرونه مثلهم الأعلى وقدوتهم في الشعر.
والشعر ليس بغريب عليه فهو من عائلة فيها الكثير من الشعراء كجده وأبيه واخوانه، وقد غرس حب الشعر في نفوس ابنائه، فبرز منهم في الشعر من برز.
وسأعرج بلمحة سريعة وموجزة على جانبين مهمين في حياته في عالم الشعر - لأنه من المستحيل أن اختزل خمسين عاماً من حياته في مقال أو مقالين - وهما شاعريته ومؤلفاته.
الأمير محمد الأحمد السديري
شاعريته
شاعرية محمد السديري - رحمه الله - كانت جزءاً لا يتجزأ منه فلم يكن شعره معسوفاً أو مصنوعاً أو متكلفاً ولشعره مسار ومنهج وخصوصية ميزته عن غيره من الشعراء. حتى ان من لديه خلفية بسيطة عن بعض قصائده وسمع أو قرأ قصيدة أخرى له يعرف أن هذه القصيدة من قصائد السديري.
وكان من أكثر الشعراء غزارة في الانتاج الشعري.. حتى ان الشعر لم يغب عنه حتى قبل وفاته بأيام حينما خاطب ببعض الابيات الأمير سلطان بن عبدالعزيز عندما أحس بدنو أجله.
أسباب حب محمد الأحمد السديري للشعر
- حبه الغريزي للشعر الذي هو جزء من تكوينه وشخصيته.
- مجلسه المفتوح للشعراء والرواة حتى ان مجلسه - رحمه الله - كان مقصداً للكثير من الامراء والشعراء والرواة، فكان يستفيد منهم ويفيد.
- نبوغه منذ الصغر وتفجر موهبته، وميله الشديد لنظم الشعر للتعبير عما يجول بخاطره.
وأعتقد أيضاً أن من أسباب حبه وتعلقه رحمه الله بالشعر أنه ربما تأثر منذ الصغر بشعراء معينين أو بشاعر معين.
لا أدري بمن تأثر، ولكنه رحمه الله ممن تأثر وأثر، وكان تأثيره على الشعر الشعبي كبيراً وواضحاً.
أما عوامل انتشار قصائد السديري وذيوعها بين الناس فهي:
- جزالة شعره، إذ كان لا يصدر منه البيت الهزيل.
- علم من اعلام الشعر الشعبي.
- قصائده كانت تلامس هموم الناس وشجونهم.
- له مساجلات مع كثير من الشعراء المعروفين.
- حب الناس له وهذا ما وسع رقعة المعجبين بشعره وشخصيته.
- كثرة المتأثرين بشعره ومن يحاكونه.
وأحب أن أشير هنا إلى نقطة هامة وهي أنه لم يعتمد على الاذاعة أو التلفزيون او الصحافة في ايصال شعره.. لأن الناس هم من بحثوا عنه.. ولانه منتشر بينهم ويتناقلونه.. وليس كحال شعراء هذه الأيام الذين لا تخلو مجلة أو صحيفة من صورهم أو برنامج شعبي تلفزيوني واذاعي من لقاء معهم، ومع ذلك لو غاب احدهم يوماً واحداً لانطفأ نوره ولكم أن تخمنوا ما هي أسباب ذلك.
ميزات شعر محمد السديري:
- قصائده سهلة الحفظ حتى لو كانت كثيرة الابيات.
- قصائده سلسة ومتناسقة، متكاملة البناء.
- معظم قصائده لا تخلو من حكمة أو غزل أو وصف، ولو بشطر.
- براعته في الوصف فهو يصوِّر لك الموقف حتى يبدو وكأنه أمامك ويتضح ذلك في أغلب قصائده.
- قصائده من السهل الممتنع، ويخيل لقارئها أنها سهلة يمكن محاكاتها أو مجاراتها، ولكن عندما يهم بذلك تتبين له مدى صعوبة ذلك.
- أغلب قصائده غزلية، حتى ليظن البعض أنه شاعر غزل فقط، ولكنه رحمه الله كان شاعراً أبدع في جميع أغراض الشعر على حد سواء.
- انتاجه الشعري الغزير والمتدفق.
- وضوح وبساطة أبياته شكلاً، وثقلها مضموناً، حتى انه ليشرح فكرة تحتاج إلى قصيدة كاملة في بيت أو شطر بيت، ويشرح فكرة بسيطة في ثلاثة أبيات مع أنها تحتاج إلى بيت واحد فقط كل هذا لكي يوصلها كما يجب إلى المتلقي، واضحة لالبس فيها ولا غموض ولا تأويل.
- تشبيهاته البليغة واستعاراته.
- قصائده تعد من القصائد العامة- الخاصة، وهي التي تعبر عن شعور عام وفي نفس الوقت تعبر عن شعور شاعرها الخاص نفسه.
- ثقافته الواسعة وسعة اطلاعه والتي أثرت شعره.
- رقة مشاعره وصدق مناجاته مع نفسه في قصائده وشفافيتها، وهذا ما يجعل قارىء قصائده يعيش حالته- ويحس وكأنه مر أو يمر بها.
- كثرة الحكمة في شعره وهي رصيد تجربته الكبيرة في الحياة.
وكان رحمه الله كثيراً ما يتساجل مع الشعراء سواء كانوا كباراً أو في بداية مشوارهم الشعري وكان لايرد من أرسل له قصيدة وأسندها إليه أو ينتظر رده عليها، حتى ولو كان شاعراً بسيطاً أو مبتدئاً.
وكان دائماً ما يسند قصائده إلى أصدقائه أو إلى المقربين منه أو إلى زملائه من الشعراء لأنه كان يريدهم أن يشتركوا معه في همه كزبن - وهو الشاعر الكبير زبن بن عمير البراق رحمه الله - وعمير - وهو ابن زبن بن عمير وهو شاعر أيضاً - وبجاد وغيرهم.
وكان مجلسه عامراً بالشعر والشعراء ومحبي الشعر، والرواة وأمراء القبائل، فهو كالصالون أو النادي الادبي، وكان يصدر ويورد منه الشعر الأصيل والجزيل، وكان لا يبخل على أحد من الشعراء بنصيحة أو توجيه، فاستفاد منه كثيرون.
ولم يترك غرضاً من أغراض الشعر إلا طرقه وأبدع فيه سواء أكان رثاء أو غزلاً أو مديحاً أو حكمة ونصيحة أو حماسة.
الخلاصة أن محمد السديري أحب الشعر - وحببنا فيه - لأن من أحب شيئاً أبدع فيه أو لأجله.. وهكذا كان وتفوق في أشياء كثيرة.. وكان صاحب المبادرة دائماً.
مؤلفاته
لم يكن رحمه الله شاعراً فقط بل كان راوية للتاريخ والأشعار والقصص، وخصوصاً الأشعار والقصص، وألَّف في هذين الفرعين من الأدب كتابين هما أفضل ما ألَّف في مجالهما، وهما «أبطال من الصحراء» وهو عبارة عن قصص وأشعار لفرسان من شبه الجزيرة العربية، و«حداء الخيل» وهو عبارة عن ديوان يضم بين دفتيه أبيات الحداء «الحداوي» التي قيلت على ظهور الخيل ولم ير النور إلى الان.
فالأول كتاب مشوق يسرد فيه السديري قصص وأشعار عدد من الفرسان الشعراء في شبه الجزيرة العربية، وكان اعجاب السديري بهم وبشجاعتهم وفروسيتهم وقبل ذلك شاعريتهم من الأسباب التي دعته إلى تأليف هذا الكتاب.. اضافة إلى انه كان يريد جمع شتات أشعارهم وقصصهم في كتاب واحد وكان له ما أراد.
أما الثاني فهو أول ديوان عن شعر الحداء، والذي اندثر ولم يعد له وجود، إذ انه كان يقال على ظهور الخيل وقت المعارك، والحمد لله قد ولى ذاك الزمان وانقضى بخيره وشره، وقد نقل عن هذا الديوان بعض الباحثين دون أن يعزوا إليه بل ونقلوا بكثرة منه دون نسب الفضل في ذلك إلى صاحبه وهو السديري، وقد جمع فيه أشعاراً غاية في الندرة، والسبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الديوان هو حبه للشعر أولاً وللفروسية ثانياً.
والسديري في كلا الكتابين كان حريصاً على أخذ الرواية من مظانها الاصلية واذا تعذر ذلك فإنه يأخذها من أكثر من مرجع ويطابق رواياتهم حتى يخلص إلى الرواية الصحيحة أو الاقرب إلى الصحة.
هذا بالإضافة إلى دواوينه الشعرية والتي لا حاجة لأن أشرح مدى أهميتها وقيمتها.
وأما روايته «الدمعة الحمراء» فهي سبق يسجل له.. إذ انها تعتبر أول رواية شعبية..
وهي عمل رائد له... وتراثنا يفتقر إلى الروايات الشعبية التي تصور ما كان عليه الآباء والأجداد وكيف كانت معيشتهم وأوضاعهم.
مطالب ملحة:
- أن يقوم أحد نقاد الساحة الشعبية أو منظريها أو باحثيها بعمل دراسة مستفيضة عن شعر محمد السديري.. بدل الدراسات المنتشرة الان والتي تعج بالمدح والمجاملة وتمجيد الذات لشعراء ليسوا ذوي تجربة.
انشاء موقع له بالانترنت.. تنشر فيه اشعاره وقصائد بصوته.. وسيرته.. وصوره.. وأقوال معاصريه عنه.. فهو فعلاً من يستحق أن يمثل الشعر الشعبي على هذه الشبكة العنكبوتية، وهو واجهة للشعر الشعبي.
أوليات للسديري:
- أول شاعر ملحمي في الشعر الشعبي «النبطي» وقصائده الملحمية هي الشعبية، والزايدية، وعكاظ.
- أول من ألَّف كتاباً عن حداء الخيل في الشعر الشعبي وهو «حداء الخيل».
- أول من ألَّف رواية شعبية وهي رواية«الدمعة الحمراء».
- أول من ألَّف كتاباً فريداً من نوعه بين المؤلفات الشعبية وهو «أبطال من الصحراء» والذي دوَّن فيه سير وأشعار عدد من فرسان شبه الجزيرة العربية، وهو من الكتب المضيئة في المكتبة الشعبية والتي لا يمل من قراءتها، ويعتبر من أفضل الكتب الشعبية من ناحية دقة الرواية وصحة المعلومة.
ونظراً لضيق المجال فإنني لم أورد نماذج من شعر الأمير محمد السديري.. ولعلي أستعرضها في مقال لاحق إن شاء الله.
خاتمة:
إن الشعر الشعبي يفتقد حالياً محمد السديري وتفتقده ساحته.. ومهما قلت ومهما تكلمت عنه فإنني لن أوفيه حقه.. ولم أكتب هذا المقال إلا وفاء له ولما قدم للشعر الشعبي... وأتمنى أن يصدر أحد دارسي الشعر الشعبي«النبطي» في القريب العاجل كتاباً يوثق حياة محمد السديري الشعرية بمنهج علمي رصين.. فهي تجربة غنية ومشرفة في سماء الشعر الشعبي.

عسَّاف مطلق البرَّاق العتيبي

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved