Wednesday 11th December,200211031العددالاربعاء 7 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

دفق قلم دفق قلم
أطايب الثمر
عبدالرحمن صالح العشماوي

من الذي لا يحب الثِّمار الطيِّبة؟ ولا يحرص على الانتقاء والاختيار إذا أراد أن يجتني من الثِّمار؟، كلنا نحب الطيِّب ونتوق إليه، ولا نرضى بما نراه من الثمار الفاسدة مهما كانت حاجتنا إليها.
كلنا نمدُّ أيدينا إلى الأفضل والأحسن من تمرٍ أو رطبٍ أو فاكهة، ولا يمكن أن تقع أيدينا على ما فسد منها، ولا يمكن أن نصف بالحكمة والعقل والوعي من نرى يده تمتدُّ إلى الفاسدِ من الثمار، أو من يعطيها لغيره ويهديها إليه.
أطايب الثمر.. مطلب العقلاء جميعاً، بل إنها مطلب ما عدا البشر من مخلوقات الله، فما من دابةٍ في الأرض إلا وتعمد إلى المرعى الطيب لتأكل منها، وهي عن كل فاسدٍ وخبيثٍ من المراتع أبعد، وفيها أزهد، إلا ما كان منها خبيث الطبيعة، فاسد النفس كالخنزير وما شابهه من سواقط الحيوان.
أطايب الثمر، هي التي تستهوي القلوب، وتستميل النفوس، وتشبع رغبة الإنسان، وتنفع جسده وروحه.
وأطايب الكلام، هي التي تسعد القلوب، وتشرح الصدور، وتحقِّق لروح الإنسان وقلبه وعقله، ما تحققه أطايب الثمار لجسده.
هذا هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (لولا ذكر الله وما والاه، ولولا إخوة يُلْتَقَطُ طيِّب الكلام معهم كما يُلْتَقَطُ طيِّب الثَّمر لآثرتُ الموت على الحياة)، فما أجمل هذه الثمار الطيِّبة التي تُلتقط من الأشجار، وما أجمل تلك الثِّمار الطيبة التي تلتقط من الأفواه.
أطايب الكلام، وأطايب الثمر، تذكرنا بأن ربنا عز وجلَّ طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّباً سواءٌ من الأعمال أو الأقوال، فهي طيِّباتٌ يرفد بعضها بعضاً حتى يتكون منها عالمٌ رَحْبٌ من الطيِّبات، وهكذا يكون المسلم في حدائق ذات بهجةٍ من الطيبات، يستقبلها ويرسلها، يُسعد بها نفسه، وبها يُسعده الآخرون الذين يحرصون مثله على الطيبات.
أو ما نردِّد في صلاتنا عشرات المرات يومياً «التحيات لله والصلوات الطيِّبات»؟ أو ليس للمحسنين المؤمنين «طوبى وحسن مآب»؟.
إنها الثمار الطيِّبات تُجتنى من بستان الإيمان وحدائق اليقين.
يروي الطبراني حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه: «عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، رجالٌ ليسوا بالأنبياء ولا الشهداء، يُشعُّ ضياءُ وجوههم نظر الناظرين، يغبطهم النبيّون والشهداء على مقعدهم وقربهم من الله عز وجلَّ، قالوا: من هم يا رسول الله، قال: جُمَّاعٌ من نوازع القبائل يجتمعون على ذكر الله، فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه»، حديث حسن.
ما أجمل هذه الصورة، وما أبلغ هذا الوصف، وما أعظم هذه المكانة التي يغبط صاحبها عليها الأنبياء والشهداء، وما أجلَّ هذا العمل مع كونه يسيراً على كل من يتوق إلى ذلك المقعد الجليل بالقرب من الرحمن الرحيم.
ذكر الله، واختيار الكلام الطيب يجعل وجهك يُشِعُّ ضياءً وأنت تفوز بموقع لا نظير له أبداً في الرفعة والعزة والمكانة، مع ما يحققه لك من الخير والرفعة بين الناس في الدنيا، ولعل هذا المقام الرفيع هو الذي جعل الكلمة الطيبة صدقة، وهو الذي جعل رسولنا صلى الله عليه وسلَّم يجمع إلى مقام نبوَّته وخيرتيه على الناس «طيب منطقه» فلم يكن سبَّاباً ولا شتَّاماً ولا لعَّاناً، ولا صخَّاباً بالأسواق.
وهنا موقع وقفةٍ للتأمل في الكلمات التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي «ولولا إخوة يُلْتَقَط طيِّب الكلام معهم كما يُلْتَقط طيِّب الثمر» حيث نرى فيها أثراً من معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق «فينتقون أطايب الكلام كما ينتقي آكل التمر أطايبه»، وهذا دليل على مدى عمق الأثر الذي تتركه أقوال رسول الله عليه الصلاة والسلام وأفعاله في أصحابه الكرام، فهم ينهلون من منبع النبوَّة الذي لا ينضب، ويجتنون الثمار الطيبة من أغصانها التي لا تذبل، وهم بذلك يحققون معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم، بأيِّهم اقتديتم اهتديتم».إنَّها الرسالة الإسلامية الخالدة تُشِعُّ بأوارها في كلِّ زمانٍ ومكان.
إشارة:


في فؤادي منجم تبصره
مقلة الشهم، وعين المبدع
لا تظني الشعر ما أنشدته
إنما شعري الذي لم تسمعي
وصول الأمير عبدالرحمن جدة

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved