Sunday 22nd December,200211042العددالأحد 18 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

قطرات ندى قطرات ندى
ليظل نجماً
د. شريفة سلامة أبو مريفة

تظل التربية جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية بل ربما تكون أساسها في شتى مراحل التعليم، وقد ندرك أهمية العملية التربوية وصعوبتها اذا علمنا أن ما تهدف إليه هو إعداد شخصية الفرد المسلم إعداداً سوياً وتهذيب الروح بما ينفع الفرد في دينه ودنياه وذلك بغرس القيم الاجتماعية وترسيخ العقيدة الصحيحة والمعاني التي تؤدي الى ازالة ما يمكن أن يعلق بالنفس الانسانية من أدران وشوائب ومفاهيم خاطئة وخبرات سيئة ترسبت وتراكمت بفعل عوامل داخلية نفسية، أو بفعل عوامل خارجية تحيط بالفرد كالظروف الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من العوامل التي قد تترك أثرها على الفرد، وعليه فالتربية تتعامل مع الفرد بكل معطياته.. تناقضاته وحاجاته وإخفاقاته.. إيجابياته وسلبياته.. تقوّم ما اعوج وتعزز ما استقام، هنا تكمن صعوبة هذه العملية على المربي إذ إنه يتعامل مع الإنسان بكل ما يزخر به عالمه المتلاطم من العواطف والمشاعر والأحاسيس.. يتعامل مع كائن حي يحس ويعي، مع آلة صماء يوجهها المربي كيفما شاء، وانطلاقا مما ذكر آنفا فان تلك العملية لا يمكن ان يضطلع بها من لا يملك صفات المربي الناجح، أو يتحلى ببعض مزاياه، فالمعلم قد يكون قادرا على العطاء لطلابه في حقل تخصصه، إلا أنه قد لا يكون مربياً ناجحاً لهؤلاء الطلاب حتى وان امتلك الخبرة الطويلة، والأقدمية في مجال التعليم والتميز في عطائه، فهذه مؤهلات قد لا تعكس بالضرورة قدرة هذا المعلم على تربية النشء تربية صحيحة رغم نجاحه وتميزه كمعلم، فالتربية ميدان واسع خطير قد يحقق فيه أحدهم نجاحا في حين يفشل في مجال آخر قد ينجح فيه غيره، الناس متفاوتون في قدراتهم، متباينون في كفاءاتهم، فكل ميسر لما خلق له. في هذا الصدد أشار رسولنا الكريم النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة حيث بيّن تفاوت قدرات أصحابه حين وصفهم بقوله: «أرحم أمتي بأمتي أبوبكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أُبَيّ، ولكل أمة امين وأمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح» فها هو مربي البشرية وهادي الإنسانية الذي يحمل أعلى صفات الخلق يسبق نظريات التربية الحديثة بأكثر من ألف وأربعمائة عام حين يشير صلوات الله وسلامه عليه الى تباين وتفاوت قدرات أصحابه رضوان الله عليهم وهذا لا يعني انتقاصاً من شأن أحد هؤلاء الصحابة الذين لن نبلغ مد احدهم ولا نصيفه ولو جئنا بملء أُحد ذهبا، ولكنها قاعدة ارساها رسولنا الكريم لتبيان تفاوت قدرات البشر في أي ميدان من الميادين او عمل من الاعمال، وتنسحب هذه القاعدة على مجال التربية الذي لن يتيسر لكل إنسان أن ينجح فيه ما لم يتحل بصفات المربي ومزاياه التي يعبر بها إلى الهدف المنشود من بناء النفس وتهذيبها قبل أن يستفحل الداء. تلك قطرات ندى تشكلت بعد سماع مواقف كثيرة مر بها بعض الأبناء رواها أولياء أمورهم، وبعد قراءة بعض الوقائع في الصحف التي تشير أول ما تشير إلى جهل بعض المعلمين أصول التربية الصحيحة التي تبدأ أول ما تبدأ بزرع الثقة والأمن والتفاؤل في نفوس الطلاب من قبل المعلم وذلك بالمحبة والشفقة والحنو، ومعرفة قدراتهم واستعداداتهم، وحسن البذل، ودقة الفهم للمحيط بالطالب المتلقي من ظروف، وجميل المعاملة، وعدم التقريع والتوبيخ علانية، والبشاشة بقدر ووقار حتى لا تسقط مهابته من عيون طلابه، والتماس الاعذار وسعة صدره، والبعد عن المبالغة في الذم او الثناء وتجسيد القدوة الحسنة لطلابه وألا يحصر دوره في تفريغ ما في جعبته من العلم في عقولهم بل يظل دائم الحضور لتسلل الجميل الى قلوبهم حين يمتد هذا الدور خارج حدود أو قاعة الدرس بما يخدم العملية التربوية، وأن يعي أخيراً أن التربية السليمة هي محصلة تفاعل إنساني بين معطٍ ومتلق يمثلان قطبي العملية التربوية الناجحة، فمتى تحقق ذلك فإن مثل هذا المعلم سيكون نجماً مضيئاً في ميدان التربية والتعليم بتخريجه لأجيال مسلمة واعية تقيل عثرات أمتها.. وتميط لثام الهوان عن فجر مجدها.. سيكون نجما وسيظل نجما في سماء أمته وفي أعماق طلابه يهتدون به مهما امتد وطال بهم العمر، وأخيراً لابد أن نقرأن مسيرة التعليم في بلادنا حظيت «وما زالت تحظى» بكوكبة من الرواد الذين تركوا مجالاتهم وما زال أبناؤهم يسيرون سيرتهم ويتمثلون خطاهم في التربية والتعليم إلا أن هذا لا يمنع أمنية نتمناها بأن يكون كل معلمينا ومعلماتنا نجوماً مضيئة في مسيرة التربية والتعليم وهم قادرون على ذلك إن شاء الله.

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved