Sunday 22nd December,200211042العددالأحد 18 ,شوال 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أكثر من «مسألة».. أكثر من «مسألة»..
في شأن «التعليم ما بعد العام»..؟!
حمّاد بن حامد السالمي

.. لعل من نافلة القول في هذا الصدد؛ أن أردد ما يقول به غيري في مناسبة كهذه؛ من أن الأمم الجادة والمتحضرة؛ هي تلك التي لا تقاس بالعتاد والعدد والعدة؛ إنما تقاس بما تحققه من نجاح في التعليم بصورة عامة؛ وبما توفره من كفاءات بشرية من أبنائها المؤهلين، حيث يكون بمقدورها في هذه الحالة، الإسهام بفاعلية وجدارة؛ في بناء الحضارة الإنسانية، والتأثير في فكرها ونهجها؛ وفي علمها وثقافتها المتنوعة، فتوجد لها بذلك؛ مكانة بين الأمم؛ وتطبع بصمتها الخاصة على خارطة هذا العالم.
.. لقد أسعدتني كثيراً تلك الأخبار التي توالى نشرها في الأيام الماضية؛ وتحدثت في مجملها؛ عما يشبه التحرر والانفكاك؛ من فكر «أحادية تسيير التعليم العالي»؛ وهذا الفكر بالمناسبة؛ ظل حتى يومنا هذا يكبل حركية التعليم العالي؛ ويرهق كاهل الوزارة التي تديره؛ من خلال ثمان جامعات كبيرة؛ لم يعد بمقدورها اليوم؛ استيعاب عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات؛ الذين يتقدمون اليها سنوياً، حتى رأينا آلافاً منهم يذهبون بعيداً عن وطنهم وأهلهم من أجل الشهادة الجامعية؛ فيلتحقون بجامعات «أهلية» في الأردن واليمن؛ والسودان ومصر؛ والإمارات وتونس والمغرب؛ ويذهبون إلى دول في أوروبا وأمريكا. وبعض منهم ذهب إلى جامعات في دول أوروبا الشرقية..!
.. كان بعض هذه الأخبار يتحدث عن ظهور جامعة الأمير سلطان الأهلية في الرياض؛ وعن قرب ظهور جامعات أهلية في جدة وحائل وتبوك؛ إضافة إلى جامعة الأمير سلطان العلمية في الطائف؛ وجامعة الأمير محمد بن فهد في الشرقية، وثلاث جامعات مفتوحة للبنات. وبكل تأكيد سوف تشهد البلاد في السنوات القليلة القادمة؛ إنشاء المزيد من هذه الصروح العلمية التي تدار بالمال الخاص؛ وتستثمر فيها عشرات البلايين من الريالات؛ وهو استثمار غاية في النبل، لأنه يرفد الوطن بالمزيد من العقول النيرة المنتجة، ويمتد بعطائه ليشمل هذا الجيل؛ وما يليه من أجيال قادمة؛ فهو استثمار بناء وطويل الأجل، وليس من تلك الاستثمارات ذات النفس القصير.
.. وبمناسبة الكلام على التعليم العالي وكلياته وجامعاته؛ فإن هناك كليات جامعية؛ ما زالت في وضع «الفروع» لجامعات أمهات لا أكثر، مثل فرع جامعة الملك سعود في القصيم؛ وفرع جامعة الملك عبدالعزيز في المدينة المنورة، وفرع جامعة أم القرى في الطائف، وكل فرع من هذه الفروع الجامعية وما في حكمها؛ هو اليوم في حجم جامعة كبيرة؛ هذا.. إذا ما نظرنا إلى محيطه الجغرافي والاجتماعي والتعليمي العام، وليس من الحكمة في شيء أن تبقى الفروع فروعا إلى الأبد، إذ لابد من الاسراع في العمل على ترقية هذه الفروع إلى جامعات مستقلة؛ حتى يتوفر لها المزيد من المرونة والاستقلالية، ومن فرص النمو والتوسع والانتشار؛ وتقديم العطاء المنتظر منها؛ لأكبر شريحة من الناس في أماكن استيطانهم. وهنا.. أعتقد جازماً؛ أن تكتل عدد من الجامعات في مدينة واحدة؛ هو من الأخطاء التي سوف تعود بالضرر على المدينة نفسها؛ وعلى المدن والمحافظات المجاورة لها بفعل عامل الجذب والاستقطاب؛ وعامل الهجرة من المدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة التي تتوفر على فرص تعليمية ووظيفية أكثر، وهنا أيضا.. لا أدري عما إذا كانت سياسة التعليم العالي اليوم تحقق الحد الأدنى من الانسجام مع الحاجات البيئية والسكانية وتتوافق - ولو بحد أدنى كذلك - مع تلك الدراسات السكانية والبلدية التي سمعنا وقرأنا عنها قبل سنوات..؟ وهي في شكلها العام تتضمن من النذر والتوضيحات العلمية؛ ما يكفي ويزيد؛ لكي نكون على حيطة وحذر من نتائج سلبية كثيرة وخطيرة؛ بدأت تبرز على البنية السكانية؛ سواء في القرى والمدن الصغيرة؛ أو في المدن الكبيرة نفسها، وذلك عائد إلى حاجة السكان إلى التحصيل العلمي بعد التعليم العام؛ وما يترتب عليها؛ من هجرة إلى مواطن هذا النمط من التعليم؛ التي لا تتوفر إلا في المدن الكبيرة، وهذا الأمر في مجمله؛ يتطلب رسم سياسة جديدة للتعليم ما بعد العام؛ والعمل من خلالها على نشر المزيد من الكليات التي تقدم تعليما علميا «وسطياً» يعقب التعليم العام، تلك التي توفر خبرات «عملية» جديدة لتخصصات علمية وسطية، بين الثانوية والجامعات بدرجة «الدبلوم»، لتوفير الكوادر التي يحتاجها السوق في شتى الحرف والمهن، واعطاء كل منطقة من المناطق ما يتناسب وتكوينها البيئي والاجتماعي، كأن تعطى البيئة الزراعية؛ تخصصات تنمي الزراعة فيها، والبيئة الرعوية؛ تخصصات تخدم الثروة الحيوانية؛ والبيئة الصناعية؛ تخصصات مهنية ترفع كفاءتها، والبيئة السياحية: تخصصات تنمي هذا النشاط، وتحفظ خصوصيته في بيئته، والبيئة الساحلية: تخصصات في الثروة السمكية والبحرية؛ والنشاط السياحي البحري.. إلى غير ذلك؛ مما يساعد على حفظ وتنمية؛ هذا التنوع والتباين الفريد في جغرافية المملكة والذي تتسم به «طبوغرافياتها» السكانية؛ الأمر الذي يعد عاملا ايجابياً؛ يجب استغلاله بشكل مدروس.. ومن هذه المناطق؛ التي تحتاج إلى خدمات علمية متخصصة؛ في مجالات:«الصيد والسياحة والزراعة والرعي والصناعة» مجتمعة؛ منطقة جازان بكاملها، ومحافظات مثل: الليث والقنفذة والوجه وحقل وضباء والأحساء؛ وغيرها. فهي من المناطق كثيرة السكان؛ وتجتمع فيها خصائص إيجابية كثيرة؛ لترسيخ التجارب المنهجية للعمل والانتاج؛ وحتى هذا اليوم؛ فإن منطقة جازان على سبيل المثال؛ هي من المناطق الطاردة للسكان، فليس بها من المؤسسات العلمية المتخصصة؛ ما يساعد على توطين كفاءات علمية من أبنائها، أو ما يشجع على المبادرة؛ إلى استغلال امكاناتها الزراعية والسمكية والسياحية والرعوية والصناعية، ومثل هذا الكلام؛ يمكن ان يقال عن منطقة تبوك؛ ومنطقة حائل، وكذلك عن منطقة الباحة بقسميها؛ «السراتي والتهامي»، فهي حتى اليوم؛ ليس بها سوى كلية علمية أهلية واحدة؛ نشأت حديثا. لهذا.. فإنه من اللافت.. هجرة للسكان كبيرة من قراها ومدنها؛ إلى حيث يجدون الفرصة للتعليم العالي، ومن ثم العمل في المدن الكبيرة، فأبناء الباحة - كنموذج - هذا اليوم؛ يعيشون خارجها في مناطق بعيدة بأعداد كبيرة.
.. ومن المفيد أن أذكر هنا؛ أن دولاً عربية سبقتنا؛ مثل «تونس والمغرب» كمثال؛ طبقت تجارب ناجحة في ميادين التأهيل العلمي الوسطي؛ الذي يكبر الثانوية العامة؛ ويتوقف دون «البكالوريوس»؛ فهذا هو «الدبلوم» التخصصي المهني؛ في شتى الأعمال والصنائع والحرف، ولهذا استغنت هاتان الدولتان بأبنائها وبناتها عن الغير؛ ووفرت لسكانها؛ ملايين الفرص العملية على ترابها الوطني. فليتنا نقف على مثل هذه التجارب الرائدة؛ لكي نستفيد منها.
.. حقيقة.. لم أعد أدري حتى الساعة؛ ما مدى رضى المنظرين لسياسة التعليم العالي عن تجربتهم في كليات التقنية؛ التي أراهم يخططون للاستزادة منها في عدد من المناطق، وكذلك عن تجربة المعاهد الفنية والمهنية؛ التي مضى على انشائها سنوات طويلة؛ لكن يبدو أن معظم المتخرجين فيها لا يمارسون المهن التي تعلموها من خلالها إما لعدم قناعتهم بهذا التوجه «المهني» الذي يتصادم مع بعض العادات والتقاليد البيئية؛ أو لضعف الإعداد، أو لعدم جدوى التحصيل العلمي المقرر؛ الذي يفترض أن يقوم على الخبرة «العملية» كأساس؛ وليس النظرية فقط. وأعتقد أنه من المفيد في هذا الأمر؛ لو جرى تقييم علمي لهاتين التجربتين المكلفتين؛ سواء بالنسبة للمعاهد المهنية والفنية، أو للكليات التقنية، ثم يصار بعد ذلك؛ إلى دمج هذه في تلك؛ لتتولاها جهة واحدة فقط؛ وفق سياسة جديدة؛ تستفيد إلى أقصى حد من الاتجاه العام في المجتمع؛ للاستثمار في هذا الميدان.
.. حاولت هذا المساء؛ وأنا أكتب هذه الكلمة القصيرة؛ أن أحصي عدد الكليات والمعاهد؛ التي هي خارج «عباءات» الجامعات الثماني في المملكة، فلم أفلح..! لقد تهت في الأرقام؛ وضعت في الاتجاهات، لأن هناك أكثر من ستين كلية للمعلمين والمعلمات؛ تتبع وزارة المعارف؛ التي تتبعها كذلك عشرات المعاهد؛ إضافة إلى عدد من المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام، وكليات كثيرة تتبع وزارة التعليم العالي؛ ومعاهد كثيرة تتبع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية؛ ولو أضفنا إليها ما يتبع الداخلية والدفاع والحرس الوطني؛ لبلغ بنا العدد المئات..! وما زلت حائراً في الوصول إلى سبب مقنع؛ يجعل هذا العدد الكبير من الكليات والمعاهد؛ يتشتت بين عدة جهات؛ في حين أن غالبيتها تقدم تعليماً نظرياً بحتاً؛ فنحن على ما يبدو؛ لم نصل بعد إلى قناعة كافية؛ بحاجتنا الفعلية إلى التخصصات العلمية؛ ولم نقرأ حاجة أسواقنا بشكل صحيح؛ ولم نسأل أنفسنا بعد: هل ما زلنا في حاجة إلى المزيد من التخصصات النظرية..؟ والى كوادر وطنية غير منتجة؛ لأنها تقرن التحصيل الجامعي؛ بتلك الوجاهة التي توفرها الشهادة الجامعية لحاملها بعد التخرج؛ يأتي ذلك؛ على حساب الأداء الوظيفي، والإنتاجية العملية.

fax:027361552

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved