* القاهرة - مكتب الجزيرة محمد العجمي:
ألغت بغداد منذ أيام عقدا بتروليا بقيمة أربعة مليارات دولار مع شركة روسية وقع عام 1997م الامر الذي يراه المراقبون انه يشكل بداية للاطاحة بالمصالح الروسية في العراق والتي تعد شريكا رئيسيا للعراق. واذا كان الغاء هذا العقد تم قبل توجيه الضربة الامريكية للعراق فماذا عن الخسائر الروسية في حالة ضرب العراق؟ خاصة ان الاقتصاد الروسي بات هشا بحيث لا يحتمل النتائج المترتبة للضربة العسكرية الامريكية للعراق والذي أصبح احتمالا قائما بنسبة كبيرة وخاصة بعد ان ضاع نفوذها الدولي والذي تجسد في حرب الخليج الاولى عام 1991م وتراجع دورها في الشرق الاوسط كقوة عظمى بانفراد امريكا بالنظام العالمي الدولي، واختيار الرئيس الروسي وقت ذاك «ميخائيل جورباتشوف» الانحياز الى جانب الولايات المتحدة. كما خيبت روسيا آمال الاتحاد الأوروبي عندما تراجع الكرملين امام اقدام واشنطن على إلغاء اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ البالستية ونفس الشيء للصين التي علقت آمالها على العلاقات الروسية الصينية لمواجهة الهيمنة الأمريكية.
وطبقا لتعداد 1998م فقد وصل تعداد سكان روسيا 147 مليون نسمة، بلغ متوسط نصيب الفرد 3950 دولار وبلغ الناتج القومي الاجمالي مقيسا بتكافؤ القوة الشرائية نحو 8 ،579 مليار دولار. وأشار تقرير التنمية في العام 1999/2000 الى ان معدل النمو السنوي للناتج القومي الاجمالي انخفض بنسبة 6 ،6% عن العام السابق ليصل الى 9 ،337 مليار دولار، كما انخفض نصيب الفرد من الناتج القومي الاجمالي بنسبة 3 ،6% عن العام السابق ليصل الى 2300 دولار.
صفقة أمريكية - روسية:
أمريكا تدرك تماما مدى الانهيار الذي يحدث للاقتصاد الروسي نتيجة للضربة العسكرية للعراق وهو ما دفع جورج بوش لزيارة روسيا في 22 نوفمبر الماضي ووعده للقيادات الروسية بمشاركتهم في عمليات اعادة اعمار العراق، وتعهد بوش لنظيره الروسي فلاديمير بوتين بالحفاظ على العقود النفطية والتجارية الموقعة بين صدام والقيادة الروسية والتي تبلغ قيمتها 40 مليار دولار وذلك في نظير قيام روسيا بتزويد الولايات المتحدة بنصف كميات النفط التي تستوردها واشنطن من السعودية. وما انتهت اليه هذه الزيارة يشير الى ان حقول البترول العراقية ستظل تحت سيطرة موسكو بعد الاطاحة بصدام حسين بالاضافة الى عدم السماح لشركات البترول الامريكية الكبرى بالتوسع في استثماراتها بالعراق وذلك ترضية للحليف الروسي الهش الذي يعاني من تدهور نفوذه الدولي.. وهذا بالتأكيد غير منطقي لأن امريكا ستتكلف ما يقرب من 200 مليار دولار في عملياتها العسكرية على العراق في الوقت الذي يعاني الاقتصاد الامريكي من ازمات وبطىء في معدلات النمو وهذان العاملان سيدفعان امريكا الى الاطاحة بأي اتفاق في سبيل الحصول على ثروات العراق البترولية والتي تعد أكبر احتياطي في العالم هذا اذا لم يقم صدام بحرق آبار النفط خلال العمليات العسكرية.
شريان الاقتصاد:
وقد أشارت تقارير البنك المركزي الكندي الى ارتفاع حجم احتياطي النقد الاجنبي بالاقتصاد الروسي خلال عام 2002م نتيجة لارتفاع اسعار البترول عالميا خاصة وان روسيا اكبر الدول المصدرة للبترول خارج منظمة الاوبك مما يؤكد ان البترول شريان الدم الذي يغذي الاقتصاد الروسي والعالمي ايضا. وقد وصل هذا الاحتياطي النقدي الى اعلى مستوياته ليسجل 46 مليار دولار ويشير التقرير الى ان حجم احتياطي النقد الاجنبي يكفي لتغطية قيمة مدفوعات خدمة الدين الخارجي الروسي بأكلمها خلال عام 2003م ويتوقع ان يستمر هذا الارتفاع في ظل الاحوال السياسية السائدة في منطقة الشرق الاوسط على اعتبار ان روسيا ستحقق ارباحا نتيجة لاندلاع الحرب في منطقة الخليج مما يؤدي الى ارتفاع أسعار البترول العالمية وهو أمر منطقي ولكن ماذا بعد احتلال امريكا للعراق؟
السيطرة على النفط:
بدون شك إذا انتصرت أمريكا على العراق فإنها ستسيطر على صناعة النفط، وستعمل على زيادة الانتاج الى أقصى حد لخفض الاسعار العالمية الى أقل مستوى وخلق الظروف المواتية امام الاقتصاد الامريكي للخروج من الركود وبطىء النمو لمواصلة النمو خاصة وان «بوش» الابن مهدد بفشله في الانتخابات القادمة اذا لم يحسن من ظروف الاقتصاد الأمريكي، وهناك وجهات نظر داخل الادارة الامريكية ترى ان واشنطن ترغب في خفض سعر النفط الى 13 دولارا للبرميل وهو ما يعني كارثة على اقتصاديات الدول المنتجة للنفط خاصة العربية. كما سيؤدي هذا الى كارثة بالاقتصاد الروسي وللميزانية الفيدرالية الروسية التي تعتمد على سعر برميل يتراوح بين 24 الى 25 دولارا وهو ما يدفع الكرملين الى تخفيض الانفاق على الخدمات الاساسية وذلك في الوقت الذي يتوقع ان ينخفض سعر البترول في حالة اندلاع الحرب الى 14 و 16 دولارا للبرميل.
افلاس الشركات والمصانع:
وفي حالة العمليات العسكرية الذي يتوقع خلال هذه الفترة ارتفاع الاسعار فلن تجني روسيا الكثير فالشركات الروسية حاليا تعمل بكامل طاقتها ولن تكون قادرة على زيادة انتاجها بصورة كبيرة اثناء العملية العسكرية الامريكية على العراق وذلك للاستفادة من ارتفاع الاسعار كما سيتعين عليها أثناء الحرب زيادة صادراتها للعالم الخارجي مما سيكون على حساب كميات النفط المباعة للمستهلكين الروس كما سينعكس ارتفاع الاسعار العالمية عليهم. مما قد يحدث أزمات داخلية واضطرابات سياسية وسيفشل أي تدخل حكومي للسيطرة سيفشل في ظل اقتصاد السوق الحر وارتفاع معدلات الربحية وهذا الارتفاع سينعكس بالسلب على الصناعة والمواطنين وسيؤدي الى نقص الامدادات في المناطق المترامية بروسيا مثل سيبيريا والتي تعاني بالفعل من نقص امدادات منتجات البترول منذ اعوام وهو ما يؤدي الى افلاس المصانع والشركات وسينعكس بالسلب على الاقتصاد الروسي والذي يعاني في الأصل من مشاكل كثيرة وهناك احتمالات من مساعدة امريكا والغرب للاقتصاد الروسي بعد الحرب على العراق كما يرى البعض ولكن حتى لو تم الغاء الديون الروسية المستحقة خلال الاعوام الماضية فمن ينقذ الميزانية الروسية اذا انخفض سعر برميل البترول عن 20 دولارا للبرميل. وهو متوقع في ظل قدرة الولايات المتحدة بعد الانتصار على العراق - وهو امر غير مستبعد - على زيادة انتاج النفط العراقي الى 2 مليون برميل يوميا خلال بضعة أسابيع كما تخطط أمريكا لزيادة الانتاج الى 5 ملايين برميل يوميا خلال فترة خمس سنوات قادمة.
ومن المحتمل انهيار الشركات الروسية العاملة في العراق او تراجع أسعار اسهمها مما قد يدفع هذه الشركات الى بيع اسهمها للشركات الامريكية والغربية العملاقة خوفا من الخسائر التي تطاردها ولكن الشركات الامريكية سيكون الموقف في صالحها وستنتظر حتى ينخفض سعر السهم الى جزء ضئيل ثم تقوم بالشراء او حتى تنتظر حتى افلاس هذه الشركات ثم تقوم بشرائها وهو ما ينعكس بالسلب على الاقتصاد القومي الروسي الذي أصبح يواجه شبح الانهيار بالحرب في العراق.
|