لا يمكن للمسافر أن يقطع الطريق بلا راحلةٍ ولا زاد، الراحلة تحمله متجاوزةً به منعطفات الطريق ومرتفعاتها ومنخفضاتها، والزَّاد يُقيم صُلْبَه، ويمنحه القوَّة التي تمكِّنه من مواجهة صعوبات الطريق.
الزاد مهم، والراحلة مهمَّة، والسفر لا بدَّ منه، والغافل هو الذي يظن أنه سيقطع المسافات وحيداً فريداً لأنه غافلٌ عن لوازم الرحلة وأدواتها، وهو بغفلته يفقد كثيراً من معاني الجدِّ والمثابرة والعطاء لأنه سيكون بهذه الغفلة عن زاده وراحلته منبتَّاً، والحديث الشريف يقول: «إنَّ المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى».
هنالك طرقات موحشة خالية من السالكين لا تبصرها إلا الأشباح التي تنتمي إلى عوالم الجن، ودنيا الشياطين، وهنالك طرقات مأنوسة مطروقة، رسمت فيها خطى السائرين صوراً من الدِّلالة والإرشاد، تمدُّ أمام سالكها حبلاً من التوجيه، وهذه الطرقات المأنوسة هي التي يسلكها العقلاء من بني البشر، الذين يسعون إلى غايات واضحة سليمة، ويدعون إلى واحاتٍ مخصبةٍ تنتهي إليها تلك الطرقات المأنوسة، وهم يسيرون ومعهم زادهم وراحلتهم.
الزاد هو «الإيمان بالله»، وما ألذَّه من زاد وأعظَمه من غذاء، هو الذي يهوِّن على السائرين ما يجدونه من صعوبة الطريق، ووعورة المسالك، وهو الذي يمنحهم القوة التي يواجهون بها ما يفاجئهم به السفر من عقباتٍ، وما يداهمهم به من عواصف وأعاصير.
والراحلة: هي النيَّة الخالصة لله، الصادقة، الصافية بصفاءِ الإيمان، النقيَّة بنقائه، راحلة لا تعرف الكَلَل، ولا تخشى من مفاجآت الطريق، راحلةٌ تتغذَّى بالتوجُّه إلى الله عز وجلّ والإخلاص له في القول والعمل، ولهذا فهي راحلةٌ قويةٌ متينة، قادرةٌ بإذن الله على التجاوز المستمر والانطلاق والتقدُّم.
وحسبك برحلة مباركة، الراحلة فيها نيَّة خالصة لله، والزّاد فيها إيمانٌ راسخٌ به سبحانه وتعالى.
إن المسافرين في طريق الحياة كثيرون، تكاد تضيق بهم دروبها الفسيحة مليارات من البشر يسيرون ما بين زاحفٍ ومبطئ، وراكضٍ، ومنطلقٍ يكاد يسابق الرِّيح، كلُّهم مسافرون، وكلَّهم يحملون «تذكرة» الركوب في قطار الحياة، وكلُّهم يسعى إلى تجهيز راحلةٍ وزاد، لكنَّ المهم هو نوع هذا الزاد، وصنف تلك الراحلة، وباختلاف الزاد والراحلة يكون الاختلاف الكبير بين هؤلاء المسافرين.
النيّة الصالحة الخالصة للّه هي التي تميِّز بين هؤلاء المسافرين في رحلة الحياة وزاد الإيمان هو الذي يفاضل بينهم.
«إنما الأعمال بالنيات» جملةٌ مهمة في تحديد نوع الراحلة القوية التي تنقل المسافر، فهي لا تكون قادرة على إيصاله إلى الواحات المخصبة في نهاية الطريق إلا إذا كانت خالصةً لله عز وجل «وإنما لكل أمرئً ما نوى» تكرار بلاغي لأداة الحصر «إنَّما»، ففي أول الحديث «إنما الأعمال بالنيات» لا مناص من ذلك، الراحلة التي تحملك إلى غايتك هي النية وفي تحديد معنى تلك «النيات»، تأتي «إنَّما» أيضا في قوله «وإنما لكل أمرئ ما نوى» ثم يأتي بعد ذلك التفصيل لنوع هذه الراحلة التي تعبر براكبها الطريق إلى غايته، وتوصِّله إلى نهايته.. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله.. هنا تكرارٌ بديع للعبارة، له من الإيحاءات البعيدة ما لا يعرفه الا من يحسن التذوُّق للغتنا العربية الفصيحة الراقية «فهجرته إلى الله ورسوله» جوابٌ عميق بعيد الغور يؤصِّل معنى «الراحلة القوية» التي توصِّل صاحبها إلى غايته في أمنٍ وإيمان.
ثم يأتي نوع آخر تكون الراحلة فيه ضعيفة واهنة القوى، ولهذا فهي تقصِّر براكبها عن الوصول إلى تلك الواحات المخصبة التي ينتهي إليها الطريق.. ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه..، الله.. الله.. ما أعمق هذه المعاني التي تنقلها إلينا البلاغة النبوية الكريمة «إلى ما هاجر إليه»، إطلاقاتٌ توحي بها هذه «الألفات المتتابعات الممدودات في آخر «إلى» و«ما» وفي وسط كلمة «هاجر» وحرف «إليه»، إطلاقات توحي بالبعد والنِّية الذي توصِّل إليه الراحلة الواهنة الضعيفة.
الزاد والراحلة هما الأهم في كلِّ ما يقوم الإنسان ويفعل، فهل نحن على وعي كامل بهذا؟؟.
إشارة
يخادعني العدوُّ فما أبالي وأبكي حين يخدعني الصَّديقُ |
|