كثيرا ما يتطلَّع الصَّغير إلى مصداقية الكبير كي تتحقَّق لنفسه الثقة، ويستقرَّ في خاطره الاطمئنان...، وعلماء العلم الحديث، وعلى وجه التحديد علماء الحياة الذين يرصدون حركة الإنسان وسكنته، ويتفاعلون في تنظيراتهم مع أفعاله وأقواله... باتوا يلحِّون على القدوة بوصفها عمود الثَّبات لخيمة الاقتداء في صحراء خطوات الإنسان!!... بعيداً عن كلِّ الذي جاءت به كتب الحكمة وشرائع الأخلاق الرَّبانية التي «نسوا» أو تناسوا أنَّها هي المحك، وهي «المقياس المقنن» قبل أن يفعلوا ويسِمُوا أنفسهم بالمنظِّرين، المبتكرين، الواضعين لأسس «التَّربية» للإنسان، ولقواعد أخلاقه...
ولأنَّ الكبير في هذه الحقبة الزَّمنية الرَّاهنة على وجه التَّحديد والتَّخصيص والمقصد ليس القدوة، ولا يمثِّل أيَّة «مصداقية» فإنَّ الصِّغار لهم أن يلعبوا كيف يشاؤون ويتصرَّفوا كيما يتحرَّرون وكيفما يريدون... واختلت صحراء خطواتهم بهم ومادت بعمود خيمة الاقتداء أرضهم...
ولعلَّ ما يصاب به المثاليون من ناشدي الفضيلة الأخلاقية في سلوك القدوة هو مايجعلهم يصابون بالحنق، بل يصل بهم الحنق درجة الغضب، والغضب الذي لا يتطلَّب الكظم كما هي قمة أخلاق المؤمن، بل الغضب الذي يتطلَّب التسلُّح ضدَّ مثل هذه القدوة والعمل على لجم تماديها في اللَّعب بعمود خيمة الاقتداء، وتثبيته وترسيخه...
ولا يتمُّ ذلك إلاَّ بعمل جاد كي يتحقَّق للقدوة المؤمنة، في أمم الأرض المسلمة القوة بالإيمان، والتمثُّل بالعمل لخلق الدين، وأوَّله دينه، وخلقه، وأمانته، وأرضه، وهذا ما تلعب به «أكذوبة» القدوة في سلوك كبار الدول من أولئك المسيطرين على أعنَّة جياد السِّياسة الدولية... بكلِّ ما يسلكونه من أفعال وأقوال تُفقد الجميع الإحساس بالمصداقية في مواقفهم سواء، وفي أقوالهم سواء، وفي نتائج هذا الذي يحدث فوق ساحة الأرض التي بدأ بفقد مصداقيتهم ومن ثَّم فقد قيم التَّعامل في الحفاظ على خصوصية الشعوب، واحترام شخصياتها.
|