لعلها طبيعتنا الصحراوية التي تجعل علاقتنا مع الأخضر سريعة ومؤقتة ثم لا تلبث أن تذبل وتتلاشى سريعاً.
فكثيرا ما أرى أمام مداخل البيوت أشجارا مجتثة ملقاة جثثا مسجاة بإهمال وظلم، عندها أتذكر جنازة شجرة الزيتون التي قامت في فلسطين المحتلة، فكما هو معروف أن شجرة الزيتون شجرة مباركة ومعمرة وتعيش وتنتج لعدد وافر من السنين وعندما اجتث العدو الصهيوني إحدى الأشجار لزرع احدى مستوطناته السرطانية حملها المزارعون وساروا في جنازة مهيبة خلفها نقلتها لنا العديد من وكالات الأنباء، وكأنهم يعلنون طبيعة العلاقة التي تربط بين الإنسان وتجذره في أرضه وعلاقاته مع البيئة من حوله.
والموجع أننا نجتث الأشجار كي نستبدلها بالرخام، نقصف عمر الشجرة رئة المنزل ومصفاة هوائه، حيث تصطف عليها العصافير تسبح بحمده في الغدو والآصال، وحيث الأخضر الذي يلون قزحيتنا كل صباح ......
ونستبدل كل هذا بصرامة البلاط بحجة أن الأشجار تشوه المدخل بنثار أوراقها أو لربما هو المزيد من الهروب عن وجهنا الترابي.
الشجرة هي ترياق الصحراء هي التي تنقذها من حتمية الفناء، وهي الجندي الباسل الذي يتحدى شياطين «القايلة» ومردة الغبار!!.
وأسبوع الشجرة لدينا يأخذ طابعاً نمطياً تقليدياً حيث تحول إلى بعض من الكلمات المرصوفة بسذاجة لتكرر كل عام في الإذاعة المدرسية، يرافقها عدد من الأخبار الباهتة عبر وسائل الإعلام المحلية، بشكل لا يستطيع أن يكون توجهاً حقيقياً بداخل المجتمع اتجاه علاقته بالشجرة لا سيما مع الأطفال والناشئة.
فالحدائق المدرسيّة «إن كان هناك حدائق» على الغالب ما تكون خاوية ومهملة، تتعرض لاضطهاد وشقاوة الطلاب بصورة دورية، لأن بالتحديد لم تؤسس علاقة ودية بين الطالب وبيئته ومن ضمنها حديقته المدرسية ومخلوقاتها.
لم يسهم هذا الطالب في زراعة وتبني شتلتها لم يشارك في تشذيبها وتجميلها، ظلت بالنسبة له مكاناً مهملا كئيبا، ولعل هذا الجفاء والعلاقة الباهتة تصاحبه حتى مراحل متقدمة من العمر عندها لن يتردد عن اجتثاث الأشجار في حديقته المنزلية واستبدالها بصرامة الرخام وبرودته.
في الدول المتقدمة تمنح العائلة الكثير من وقتها للحدائق المنزلية، وتسهم في تشذيبها وريها وغرسها بصورة دورية وبشكل جماعي، ولكننا نحن نختبئ خلف مصائد الإسمنت المكيفة التي تغربنا وتغرب أرواحنا وتبت علاقتنا مع المكان.
|