* الرياض - عبدالحفيظ الشمري:
في سياق أنشطته المنبرية لهذا العام استضاف النادي الأدبي في الرياض الشاعر سعد بن عبدالرحمن البواردي حيث قدمه في بداية هذه الأمسية الشعرية مدير إدارة الأندية الأدبية الأستاذ إبراهيم الوزان ليرحب بالشاعر والحضور حيث وصف الوزان هذه الأمسية بأنها مناسبة غير عادية حينما يلتقي الجمهور هذه القامة الشعرية الفارعة.
بعد هذا التقديم دعا مدير الأمسية فارسها الشاعر البواردي ليقدم ما لديه فكانت أمسيته على هيئة قرارات لمقطوعات شعرية صدرت في دواوينه جاءت مصحوبة ببعض المقولات والقصص أوردها مسبوقة بهذه المقدمة قال: شكراً جما لمن قدمني كما شتهيت ونعتني بما لا أستحق ، والشكر الجزيل لأخي الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيع رئيس النادي الأدبي لاستضافته الكريمة لي.. أي لشعري المتواضع.. والعتب النبيل له، وقد حملني ما لا أحتمل بوصفه لي في بطاقات دعوته بالشاعر الكبير. وما أنا بالكبير في شعره ولا في نثره.. إذ لا كبير في الفكر.. كلنا طلبة مبتدئون في مدرسة الحياة بقدر ما ننال من معرفة نزداد معرفة بجهلنا للكثير مما لا نعرف.
لا أطمع منكم في التصفيق وإنما أطمع في التحقيق الذي يدلني على مواطن الخطأ والقصور بكل امتنان وشكر وعرفان.
اتفقت مع أخي الدكتور الربيع على ساعة إلقاء والساعة كثيرة أرجو أن أجتزئها لا أن أتجاوزها هي بالنسبة لي ساعة اختيار واختبار عسير. أرجو أن أتجاوزها بسلام.. أعانكم الله على طولها وركام طلولها وعلى مدى قبولها.
وبعد هذا هو الحصاد.. لعله لا يكون مر المذاق. ثقيل السماع.
على بركة الله أبدأ.. وبه معكم نستعين.. آمين.
«لم ينطفىء القمر.. كان رفيق درب على جادة الحب لا الحرب
ساحر أنت يا قمر
الدجى فيك. والسحر
غمسا ريشة الهوى
فتداعت لها الصور
فإذا الكون نغمة
بثت الوجد للوتر
وإذا الأفق موجة
الدجى عندها انتحر ساحر أنت يا قمر
نحن في الأرض عاشقان
ضمنا قاسم الهوى
كل ما ارتاع خاطري
وتناهى به الجوى
أشرقت منك وجنتان
كانتا البرء. والدوا
ساحر أنت يا قمر
ولأنه ساحر وجميل كان حلم الإنسان للوصول إليه أشبه بالخرافة والهرطقة والهذيان.. ومع هذا وقبل أربعة عقود من الزمن.. وقبل أن يغزو الإنسان الفضاء ويستقر على سطحه ببضع سنوات غزته هواجسي الشعرية بقصيدة «غزو الفضاء» إحدى مقطوعات ديواني.. «ذرات في الأفق» الذي تمت طباعته في بيروت عام 1382هـ 1962م.. وكأنما كنت أحلم بما كنت أظنه ضرباً من الخيال والخيال المريض.. ليس إلا..
«قالت المريخ. للزهرة عي
ضجة كالرعد قضت مضجعي
هل هو البركان يلقي غيظه
ويدوي بضجيج. مفزع؟
أهي الأجرام جنت في الفضا
فتلاقت في صدام المصرع؟
أم هو الإنسان ضاقت أرضه
وأتاني غازيا في أربعي؟
ويحه.. صوت عنيد مرعب
ويحه.. حسي بليد لا يعي
ويحه كم أغفل الأمر. فما
أدرك الصوت. وممن. مسمعي
قالت الزهرة: سهر بارق
أبصريه، في زحام الأفق يزحف
انه يدنو! أطلق حاقد؟!
ظامئ الأنفاس. كالأقدار يعصف
تحول ما كان يعتقد أنه كابوس حلم إلى علم.. إلى واقع كان أحد السباقين إلى التطواف بعالمه. والإبحار في فضاء اته امرأة لا تهاب المغامرة اسمها فالنتينيا.. كان لي معها هذا الحوار عن بعد وتحت عنوان «تلك بلادي يا فلنتينا» القصيدة احدى مجموعات ديواني «لقطات ملونة» الذي صدر عام 1382هـ أي منذ أكثر من أربعين عاماً تغيرت فيه أشياء وتطورت فيه أشياء وتسمرت فيه أشياء:
الوطن تتطور.. والمزاج الاجتماعي تغير.. والمخاطر باتت أكبر وأكبر.. فالنتينا تدور في مركبتها الفضائية، وأنا أدور معها في مركبتي الأرضية.. سائلاً ومتسائلاً:
فالنتينا.. يا زهرة الفولغا
يا بعثة الأرض إلى الفضاء
وأنت تعبرين الكون
في مركبة السماء..
هل أبصرت عيناك شيئا
اسمه الصحراء
كثبان رمل أحمر يدعونه الدهناء
غابات نخل اسمها القطيف والاحساء
وبلدة ناعسة الجفنين اسمها شقراء
وبئر ماء.. آبار ماء
عمقها شيء بعيد.. دون ماء
ومع معشوقتي التي أحبها بجنون لأنها حرة تغنيت لها لأنها حبي الكبير
يا صبا نجد.. هل لثمت صباها؟!
إنها حرة.. يضج حياها..
إنها حرة تفتق وجداني
على غِرة.. بها أتباهى
هي معشوقتي إبادلها الحب
شفاها.. عن الصدود شفاها
لم يكن عشقنا غراما بهيميا
على كأسه نمط الشفاه
إنها صبوة الحنين إلى الأرض
سقتها.. وأخصبت في ثراها
زهرها عزتي.. ومنبتها الزاكي
طموحي.. مجنحاً في سماها
لا أرى غيره ينازعني الحلم
إذا ما أناخ فيها كراها
تتهادى الحسان في موكب العر
س صبايا.. وما عشقت سواها
إنها أمتي.. وأمي. وأولادي.
داري. وصبوتي في فناها
ضُمها يا صبا فقد هزني الشوق إليها
وأيضاً للحب الكبير الذي دونه كل حب.. حب الوطن من الإيمان.. حب الولاء للتراث.. وحب الانتماء للتراب.. والحب الحب للإنسان..
أحبك يا أرضي ولست بخيرها
ففيها غيرك الأنهار. والخصب. والفنن
ولكنك الأبهى فأنت حبيبتي
وزنت لي التاريخ. والأهل. والوطن
ومن يعشق التاريخ أهلاً وموطنا
يبيح ربيع الأرض لو أنه الثمن
وبعد أيها الأحبة.. معذرة إن كنت أطلت فمللتُ بهذه الوصلات الشعرية المتواضعة التي انتزعتها من جراب قديم أكل الدهر عليه وشرب. وتجاوزه الزمن.. وعذري أن الجود من الموجود.. والسلام عليكم ورحمة الله.
بعد أن أتم الشاعر البواردي تطوافه الشعري أذن مدير الأمسية للحضور بالمداخلات والأسئلة.. حيث توالت العديد من الأسئلة، فيما جاءت مداخلة الناقد المصري محمد إبراهيم عقدة ورئيس النادي الدكتور محمد الربيع في آخر الأمسية.
السؤال الأول من حضور الأمسية ورد من الشاعر عبدالله بن سالم الحميد حول رغبته في معرفة أسباب ابتعاد الشاعر البواردي عن تناول القضايا الشعرية المعاصرة..؟
ليعقب الضيف بأن تجاربه على مدى خمسة عقود هي مزيج بين التجريب الإنساني والمعاناة التي تتخللها هذه الملامسات لواقع القضايا العربية المعاصرة.
تلا هذا السؤال آخر من الدكتور سليمان العنقري يستفسر عن أسباب عدم وجود قصائد ذات علاقة بأرض الكنانة (مصر) خصوصاً وأن الشاعر قد أطال بها المقام..؟
ليرد (البواردي) بأن الأمر لا يعدو كونه تقصيراً منه ثم إنه يحيل هذه الأسباب إلى ارتباطه العملي هناك.
المربي الشيخ عثمان الصالح كانت له مشاركة مكتوبة حول الأمسية وفارسها (البواردي) إذ ورد في فحواها أن الشاعر لديه أصوت تتحد في رسالة الماضي والحاضر حيث يرى أنه قد برع في أداء رسالته الشعرية بشكل متميز.الأستاذ عبدالمحسن التويجري طالب الشاعر البواردي بأن يلقي قصيدة جديدة إلا أن فارس الأمسية اعتذر بحجة عدم حفظه لأشعاره.
جاءت مداخلة الأستاذ محمد الأسمري حينما قدم للضيف ثلاثة أبيات استلها من كتاب الأديب عبدالله بن إدريس حيث وزعته إدارة النادي على الحضور.
الدكتور محمد الهدلق وجه سؤالاً للضيف يطلبه أن يبين أي أغراض الشعر تصدى له الشاعر البواردي؟فكانت إجابة الضيف أن أهم الأغراض هو الغرض الاجتماعي.كما ورد سؤال آخر عن أبرز من تأثر بهم الشاعر البواردي فأجاب بأنهم ثلاثة هم إيليا أبو ماضي في فلسفته، وعمر أبو ريشة في رومانتيكيته، وأبو القاسم الشابي في وطنياته، فيما توالت الأسئلة والإجابات بلا أسماء.أما المداخلة المنبرية الأولى فكانت للناقد محمد إبراهيم عقدة حيث أشار إلى أن هناك انفصالا فعلياً في تجربتي البواردي الشعرية والنثرية.. فعندما يكتب الأستاذ البواردي المقالة لا يستظهر الشعر كحالة بل انه ينفصل تماماً لنرى أن التجربتين بينهما هوة يلمحها القارىء والمتابع.ويتساءل (عقدة) عن أسباب تخلي الشاعر سعد البواردي عن شعريته إذا ما كتب المقالة كما في مجلة الحرس الوطني، وجريدة الجزيرة، وجريدة اليوم، وبعض الكتابات النثرية هنا وهناك.في آخر الأمسية كانت المداخلة لرئيس النادي الأدبي بالرياض الأستاذ الدكتور محمد الربيع حيث ألمح إلى أن الجانب الأساسي في شعر البواردي يعتمد على توظيف التراث لنراه يزاوج بين معطيات الشعر الرومنتيكي والواقعي واستدرك الدكتور الربيع على الشاعر البواردي لفظة وردت في كتاب ابن إدريس.. فما كان من الشاعر إلا أن خففها واستبدلها بعبارة مهادنة حيث أبدل كلمة (أكفر) بكلمة (أرفض).. ليختم مدير الأمسية هذا اللقاء بالشكر لضيف النادي فارس الأمسية وللحضور..
|