Tuesday 25th february,2003 11107العدد الثلاثاء 24 ,ذو الحجة 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

ضيَّعني صغيراً، وحمّلني همّ ثأره كبيراً ضيَّعني صغيراً، وحمّلني همّ ثأره كبيراً
عبدالله بن ثاني/الإمارات العربية المتحدة

عرضت بعض القنوات الفضائية في شريطها الاخباري مشاهد تمت في يوم العيد المبارك، واكثر ما تسمرت عيناي أمامه مشهدان متناقضان، أحدهما: أطفال العراق يحتفلون بالعيد على طريقتهم وسط أهازيج وصراخ خشية السقوط من الآلات المتحركة والتي تعلقوا بها متجاهلين ببراءتهم الحشود العسكرية والجهود الدولية ووكالات الأنباء والمراسلين وتقارير البرادعي وهانز بليكس وعمليات انطلاق الطائرات الحربية وعودتها إلى ظهر السفن الحربية التي جلبتها تصرفات الرئيس العراقي وتشنجه في تقديم الخيارات العسكرية على غيرها بعدما حوّل مدخرات العراق النفطية والصناعية والزراعية لخدمة برامج التسلح البيلوجي والذري، وتجاهل على مدى عقدين من الزمن صحة المواطن العراقي وتعليمه وأمنه واستقراره بسبب الحروب الخاسرة ضد جيرانه المسلمين، والكارثة العظمى ما ينتظره العرب في حالة قيام الحرب، لأن ذلك على حساب استقرار المنطقة، وسيتفشى أثناء ذلك فيروسات لا تنفع معها في حالة الاستنقاع تلك أي مبيدات حشرية معهودة، بل ان الأدهى والأمرّ ما يتعلق بكرامة الإنسان وصحته، يؤكد ذلك تقرير الأمم المتحدة «عالي السرية» الذي صدر في العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2002م والذي تضمن نتائج مرعبة للخسائر البشرية المحتملة في شن الهجوم الأمريكي على العراق.
ويؤكد التقرير ان حرب تحرير الكويت من براثن النظام العراقي عام 1991م كانت قصيرة الأمد نسبياً، واقتصر القصف فيها على البنية التحتية للمدن في حين تخطط القوى الحربية الآن لشن هجوم بري شامل طويل الأمد نسبياً، يسانده القصف الجوي والأرضي، وعليه سيكون الدمار الشامل أعظم بكثير مما كان عليه في عام 1991م، ويشير التقرير إلى ان نسبة 60% من الشعب يعتمدون على سلال الطعام التي تقدمها الحكومة شهريا ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء، وهذه النسبة ستزداد عندما يتم تدمير الجسور وشبكات الكهرباء والسكك الحديدية، ولن يجدي في الحرب إذا قامت التركيز على قدرة الأسلحة الذكية لضمان الحد الأدنى من القتلى بين المدنيين.
صدقاً آلمني إنسانياً وعربياً وإسلامياً منظر ذلك الطفل وهو يلعب بلسان حال يخاطب به رئيسه صدام حسين ويقول له ما قاله امرؤ القيس لما جاءه نعي أبيه الملك المقتول على يد بني أسد «ضيعني صغيراً وحمّلني هم ثأره كبيراً» ويعلن فوق لعبته احتجاجه على فساد الذهنية المتطرفة التي كذبت على جنرالاتها تحت مخدر يسمى «جنون العظمة» لم يدرك تطور الحرب وآلاتها وأساليبها المدمرة وكثير من الشرفاء في هذا العالم يفكرون بمصير الإنسان العراقي أكثر من حرصهم على صدام حسين ونظامه الذي أثبت من خلال تجاربه وخططه التوسعية فشل نظام العسكرتاريا العربي والأجنبي على السواء كما اثبت ذلك الطفل من خلال تجربته الطفولية في مختبر البراءة ان الهزيمة ليست ضرورية ان تكون برفع راية بيضاء والتلويح بها على طريقة أفلام الكاوبوي ورعاة البقر، بل يمكن ان يعلنها بيع المكتبات النادرة والخطوطات النفيسة على الأرصفة شاهدين على أنفسهم بالانتماء إلى أمة ربما هي الوحيدة التي تعرض فكرها على الرصيف ويمكن ان يعلنها منظر العربات التي تجرها الخيول والحمير ليصبح مألوفا عندما تكون أفضل وسيلة لنقل الأطفال والعجزة للمستشفيات والملاجئ في ذلك البلد المهزوم إنسانيا، والعالم الآخر يتسارع في الانتصار التكنولوجي واختراع قطارات الأنفاق وطائرات أسرع من الصوت، والمهيب الركن لازال يفكر بإدارة معركة من معارك القرن الرابع الهجري خلف دخان أزرق ينبعث فوضوياً من سيجارته الكوبية الفاخرة ويلوّح بسلاحه «البرنو» القديم في وجه حاملات الطائرات والأسلحة الذكية.
أحياناً أشعر بخيبة أمل لا توصف، وأحياناً أشعر بالخوف من المجهول وبخاصة في طقس تعطلت معه لغة الارصاد والتوقعات الجوية والبحرية والبرية التي تساعدنا على قراءة الواقع قراءة تخرجنا من هذا المأزق المتلوث الذي فشل في كل شيء ونجح فقط في مقايضة تفتخر بنجاحها في زيادة الأطراف الصناعية والسيقان الخشبية والقفازات في عالم أشبه بمستنقع أصبح ماؤه آسناً من طول البقاء المتطحلب مما جعله غير صالح للشرب الآدمي بعد ما طغت على سطحه الفطريات المتعفنة لتعقد صفقات من طراز بدائي متخلف لا يصلح للاستهلاك على طاولة الخيانات العظمى، ولم تكتف بذلك بل تحصنت وراءها ضد السقوط، وتمسكت بآخر مسمار ولو سملت عيناها بأصابع التاريخ الذي سيضعها بكل سلالاتها البكتيرية في مزابل هامشه، ويا ترى هل يحلم أولئك الأطفال بالوقوف في شبابهم أمام سفارات الولايات المتحدة واستراليا ونيوزيلندا والسويد بانتظار فيز الهجرة، وهل يستطيعون العيش في ظل خيام وكالات الاغاثة الدولية التي تنصب على حدود بلادهم، وهل يقفون في شيخوختهم بعد كل هذه السنين ليتم تأهيلهم من جديد أمام دوائر الجنسية والاقامة في تلك البلاد عن طريق فحص أسنانهم وتحليل لعابهم على طريقة شراء أضحية العيد مؤكدين بالبرهان نجاح نظرية بافلوف وثورندايك هذه المرة على الإنسان وليس على الكلب فيما يتعلق بالمثير والاستجابة، ونجاح نظرية الحمامة التي تعود إلى الخلف بخطوتين وتسير إلى الأمام بخطوة واحدة على رقم انجليزي «8» تحت سماء ملبدة بالصقور الجارحة والتي نجحت هي أيضاً بتعرية نسورنا التي أثقلنا بها اكتافنا ونياشين الحروب الخاسرة التي ملأنا بها صدورنا وخطابنا الإعلامي العربي الذي ضاعت هويته في كيمياء السياسة والارهاب وفلسفات البؤس ومحاكم التفتيش الجديدة، فسحقاً للأوطان التي رمت فلذات أكبادها في طوابير الهجرة التي أخذت بالاستطالة حتى انتهت عند نافذة في دائرة سداسية خلف جلاد يفيض خوفا ورعبا كلما سأل المهاجرين عن تفاصيل طفولتهم البائسة في ذلك الوطن الجلاد..
والمشهد الآخر عرض مباشرة بعد مشهد أطفال العراق، ويتعلق بمسابقة أجمل الكلاب في الولايات المتحدة الأمريكية، ووافق ذلك ما نشرته جريدة «الجزيرة» في ذلك اليوم تحت عنوان ولاية أمريكية قد تسمح بمقاضاة من يسيء معاملة القطط والكلاب.. وادركت حجم المأساة التي تعيشها الإنسانية عند المقارنة بين حال الإنسان وحال الكلب الذي أنشئت له المستشفيات الخاصة وشواطئ السياحة، ووفرت لها الحكومة الأمريكية أطباء أسنان تضيف لأنيابه امتدادات فولاذية.. وربما لاختلاف بين كلابهم وكلابنا اننا لم نجهز لها مثلما حصلت عليه في ذلك المجتمع، واكتفينا بقولنا المشهور «الكلب حشمته من حشمة أهله» مؤكدين ان هذا الجنس لا يستحق كل هذا الاحتفاء، ويحضرني في هذا الموقف ما قاله الشنفري الازدي:


ولي دونكم أهلون سيد عملس
وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع
لديهم ولا الجاني بما جرّ يخذل

فهو يؤكد في هذين البيتين من لامية العرب على أدب تلك الحيوانات التي اتخذها أهلاً له «الذئب، الضبع، النمر، والكلب..» لأنها لا تفشي سراً، ولا تستغل ظرفاً طارئاً وتضغط من خلاله على صاحبها، ولا تخذل مستجيراً، ولا تسلم أحداً للآخر المترصد ولا تعطي مبرراً لمن يريد الفتك بفريسته تحت أي ذريعة.. ولذلك مدح شعراؤنا الذين تعاملوا مع هذا الحيوان شخصياتهم بصفاته كما فعل علي بن الجهم عندما مدح الخليفة العباسي حينما قال «أنت كالكلب في..» ومع ذلك يصفها بعضنا باللؤم والتشاؤم في تناقض يعد الأكبر تجاه كائن حي مع اني لا أحمل ضد هذا الجنس إلا الضوابط الشرعية التي تبرز أهميته في العمليات الأمنية والصيد الذي يوفر الغذاء للإنسان من خلفه، وهل يمكن ان يكون ذلك الكلب العربي الذي قتلوا أمامه «صديقه الخروف» فهرب احتجاجا على سياسة قتل صديقه وسن السكين أمام الضحية دون اهتمام بالنصوص الشرعية التي تأمر بالرفق والرحمة، ووجده بعد ثلاثة أيام في مزرعة بعيدة مشلولا وعيناه قد ابيضتا من الحزن والزبد يسيل من فمه، ولا ذلك الكلب الذي مات صاحبه فمرض مرضا شديدا هدّهُ حتى اضطر أهل البيت إلى ان يضعوا على أنفه قطعة من ثياب صاحبه الغائب، وأنا لا اتصور على قلة معرفتي ان يصل مستوى الكلب العربي إلى مستوى الرويتويلر والدوبرمان الذي كسر أحدهما «فازة» على طاولة وأقعى ثم وضع رأسه على يديه وأخذ يبكي بكاء حاراً في ظل استرضاء سيده له.. إن هذا الحيوان مدلل في أمريكا، ومأكول في آسيا، وضال في شرقنا الأوسط، ومحتقر عندنا نحن العرب، ومصطحب في أوروبا مع الشعراء والأدباء إلى الأمسيات الشعرية والمقاهي، لأنه يفهم جيداً في مبدأ الاصغاء والاقعاء وهزّ الذيل فرحاً بما يصنع لصاحبه من صيد أو جلب للضيوف وأبناء السبيل..
رمز للوفاء في زمن الكراهية الذي اختزل الشرف الإنساني عندما وجّه سعاره تجاه أخيه الإنسان، فحجّره بالكوليرا والطاعون والسرطان وشنجه بغاز الاعصاب والخردل واليورانيوم المنضب..
ولا أملك في هذه التداعيات إلا ان أذكر بكاء ميسون الكلبية التي انتحبت في شرفتها الخضراء في غوطة دمشق لأنها حنت إلى كلبها العربي أمام بيت والدها وكرهت في مقابلة القط الفارسي أو السيامي الفاخر الكسول، وأذكر العلاقة الحميمة الدافئة بين الكاتب الأمريكي شتاينبك وكله في رواياته المشهورة.
وأقف عند ما ذكره البير كامو في روايته «الغريب» عندما وصف جاره الذي لم ينم طول ليله حزناً على كلبه الميت لتمثل هذه النماذج وحدة التجربة الإنسانية أمام ما فعله الأفغان بعدما استتب الأمن في بلادهم إذ نصبوا حلبات المصارعة للكلاب والديكة وما يفعله الاسبان في الثيران على أولئك الذين يحولون العنف السادي والصراع الحيواني واللعب بالطماطم إلى تراث إنساني يمارس في المناسبات والأعياد..
والله من وراء القصد.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved