Thursday 20th march,2003 11130العدد الخميس 17 ,محرم 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

أوروبا القديمة ترفض الأمركة أوروبا القديمة ترفض الأمركة
الشعوب الأوروبية وجدت في معارضة الحرب على العراق الفرصة للتعبير عن رفض الهيمنة الأمريكية

  بقلم: جون دانيال(*)
على عكس ما تريد الولايات الأمريكية المتحدة فقد قررت فرنسا ألا تؤيد أي حرب على العراق دون موافقة صريحة وواضحة من مجلس الأمن الدولي بعد دراسة التقاريرالتي يحملها المفتشون من هناك.
ألمانيا أيضا ترفض وجهة النظر الأمريكية وتعارض جورج بوش معتبرة أن أفضل الطرق الناجحة لمحاربة الإرهاب هي العمل على تصحيح الأوضاع و ليس على خلطها..وهذا لا يتأتى بإسقاط النظام العراقي فقط بل وفي إيجاد حلول دائمة لقضايا تلعب فيها الولايات الأمريكية دورالشرطي الأعمى .
ومن أهم تلك القضايا : أزمة الشرق الأوسط طبعا هذا هوالسبب الذي جعل هاتين الدولتين «قديمتين» قدم الماضي في نظر وزير الدفاع «دونالد رامسفيلد» وغير قادرتين على لعب أي دور ممكن أليس هذا ما يريد الرئيس الأمريكي قوله لنا بأن فرنسا وألمانيا لا تقدران على شيء دون الولايات الأمريكية المتحدة؟ لا يمكن أن يجرؤ أحد منا نحن الأوروبيين على القول إن لفرنسا وألمانيا نفس طموح الأمريكيين.. هذا كما نعرف كلام قاله «دونالد رامسفيلد» الذي أعلن حالة طوارئ ضد باريس و برلين إنها حالة من الهستيريا التي أصابت الأمريكيين الرسميين والتي أعطت صورة هشة لأجيال من الشباب الذين تسلل الشك إلى نفوسهم في ماهية المستقبل الذي تريده أمريكا؟
مستقبل حروب وتحديات
للشريعة الدولية .؟
صحيح أن العالم يمر اليوم بأزمة قيم حقيقية وصحيح أيضا أن أوروبا وجدت نفسها عاجزة عن تحديد معنى لمفاهيم كثيرة كالقانون والحق و أشياء أخرى كثيرة نذكر أن ثمانية من أعضاء الاتحاد الأوروبي وقعوا على عريضة تأييد مطلقة للولايات الأمريكية المتحدة ليشتتوا تلك الوحدة التي لم تكن أكثر هشاشة من الآن.
فعلوا ذلك للانتقام من الرؤية البراغماتية الفرنسية الألمانية للوحدة نفسها التي لم تكن تعني للدول الثمانية أكثر من كذبة حقيقية .
الدول الثمانية لم تنتظر حتى أن ينتهي « باول» من تقديم أدلته لإقناع مجلس الأمن الدولي أن العراق يملك تلك الأسئلة المحظورة ربما لو انتظروا عريضة الولايات الأمريكية المتحدة لكانت رسالتهم التأييدية لجورج بوش أكثر وضوحا أما وهم يستعملون طريقة المفاجأة فهذه قمة السخرية من الجميع !
سر تلك المبادرة الأوروبية الصبيانية ببساطة هو أن أوروبا الموحدة في الحقيقة لم يكن لها وجود أصلا من منظور أخلاقي وحتى وجودي حتى لو كان السياسي الأوروبي قد فقد عقله. وحتى لو كان السياسي الأمريكي مسكون بمرض العظمة لا يمكن نسيان الشعوب التي وحدها سوف تدفع ثمن الأخطاء التي يرتكبها هؤلاء الغربيون.
تبدو الأزمة الآن ولادة جديدة لأوروبا أخرى بعيداعن المسميات نقول : أوروبا الرافضة للأمركة الجديدة وهي التي نتمنى ذلك تشكل غالبية الأوروبيين من هذا المنطلق يبدو الحفل مستمرا: طالما أن هنالك حكومات أوروبية.
تساندالحرب وتساند قرار بوش في الحرب يجب أن نعرف أن في الجهة الأخرى شعوباً كثيرة ترفض هذه الحرب وتعارض قرار بوش فيها.
بريطانيا خير دليل على ذلك والأزمة السياسية التي يمر بها «توني بلير» تقول كل شيء .. الجانب الايجابي في الموضوع : أن بوش لا يملك أي سبب أو حجة مقنعة لشن الحرب على العراق.. حتى بعد حصوله على النصر المحتمل وربما السريع اللهم إلا إذا تحولت بغداد إلى بيروت أخرى فلن يكون في هذه الحالة للأمريكيين فرصة و لو ضئيلة في فرض الأمن على المنطقة لأن الحرب سوف تكون يومها قد أكلت الأخضر واليابس وفي هذه الحالة سوف يتشجع الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» على إعلان الحرب هو الآخر على الشيشانيين لإبادتهم جميعا وسوف يستعمل «شارون» الحق في قتل الفلسطينيين جماعيا بنفس الطريقة التي يحملها جورج دابلو بوش لابادة العراقيين بحثا عن رأس صدام حسين !
الجانب السلبي: نسمع كثيرا من يقول لنا بأن المسئولين العراقيين لن يكونوا ضحايا الإمبريالية الأمريكية هذا ما نسميه التلاعب بالكلمات والاستمرار في هذا الرهط يعني أن الولايات المتحدة تريد إضفاء حق آخر على اعتدائها بحشر المعارضين لها في خانة الرافضين لتلك الإمبريالية وهي كارثة أن يتحول «صدام حسين» إلى بطل قومي على الرغم من كل الممارسات التي ارتكبها ضد شعبه وضد جيرانه في الماضي.
هذا دليل آخر بأننا نرفض الحرب ليس دعما للرئيس العراقي بل رفضا لابادة شعب كامل بسبب نظام في الوقت الذي فيه تتشابك الأمور بشكل رهيب في مناطق كثيرة: الشرق الأوسط على سبيل المثال قطعا هذه هي الصورة التي تحاصر العالم اليوم صورة فيها منتصر و فيها منهزم وبلا شك فإن المنهزم هو القانون أو ما نسميه : الشرعية الدولية فالدور الذي تريد أمريكا لعبه خطير والحال أنه صار من حق الكل أن يطالبوا بالثأر أو ببساطة بحقهم في الحياة من حق الفلسطينيين أن ينتفضوا لأجل التحرر ومن حق أي عربي أن يستعيد حضارته المغتصبة هذه كلها حقوق ترفض أمريكا الاعتراف بها لأنها تريد مناهضتها بالحرب.
المنتصر الثاني: هو جورج بوش الرئيس الذي يريد جر أمريكا خلفه بعد أحداث ال 11 سبتمبر 2001.. و الذي شن حملته العسكرية في أفغانستان نجح في شيء واحد : إحداث الفوضى .. المزيد من الفوضى في أفغانستان.
جورج بوش: الهارب من فضائح مالية لم تشهدها أمريكا من قبل يريد أن يستعيد مشروع والده المتمثل في القضاء نهائيا على النظام العراقي و بما أن العراق لا يشبه أية دولة أخرى فإن الفكرة العبقرية تبدو سهلة: العراق يشكل خطرا على الولايات الأمريكية المتحدة ! للأسف لم أستطع حضور حفل تدشين شارع بيير مانديس فرانس الأسبوع الماضي لكني أردت أن أتوقف عند هذا الفعل المدهش والمثير في آن في 26 يوليو 1956 بالإسكندرية قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس جيموليه كان رئيس وزراء فرنسا آنذاك في قمة الحرب في الجزائر و أمام كل الأصوات الدولية التي كانت تسمع هنا و هناك لصالح القضية الجزائرية بالنسبة لفرنسا آنذاك كانت الحاجة ملحة لأن تصنع من جمال عبد الناصر «هتلر عربي» لموقفه المدعم للقضية الجزائرية فكانت الطريقة الأسهل هي الحرب عليه! الإنجليز كانوا ضمن نفس الرغبة و بالطبع الإسرائيليون الذين كانوا ينظرون إلى الرئيس جمال عبد الناصر آنذاك كعدو رقم واحد. بيير مانديس فرانس الذي عرف بالخطة حاول الاتصال ب جي موليه ليطالبه بالتخلي عن الفكرة المجنونة نهائيا مشيرا إلى أنه سيستغل كل الوسائل المتاحة له للاعتراض على مغامرة شنيعة كتلك التي تريد فرنسا خوضها مع الإنجليز واليهود الضربة المجنونة اندلعت و صرخات بيير مانديس فرانس اصطدمت بهستيريا مشابهة لتلك التي أصبحنا نشاهدها اليوم في الملفات التي تعرضها تلفزيونات الولايات الأمريكية المتحدة لو ينجح شيراك اليوم في التشبث بموقفه الرافض للحرب بدون موافقة الأمم المتحدة فمعنى ذلك أن شيراك صار منديسيا ( نسبة إلى بيير مانديس فرانس) أكثر منه ديغوليا ( نسبة إلى الجنرال شارل ديغول) كل هذا يجب أن يتذكره السيد دونالد رامسفيلد لأن السياسة تعني حين نكون شبابا وواثقين من أنفسنا أنه يجب علينا التخلي عن الحرب غير المبررة التي ستدخل العالم إن اندلعت في متاهات كبيرة وستحمل عواقب لن يقدر أحد على التنصل ولا حتى الخروج منها ! مثلما حدث إبان العدوان الثلاثي على مصر .

(*) عن «نوفيل اوبسرفاتور» الفرنسية - خدمة الجزيرة الصحفية

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved