Saturday 29th march,2003 11139العدد السبت 26 ,محرم 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الموقف من الغزو:احتفاء هيجل أم مقاومة فلاح كربلاء.. الموقف من الغزو:احتفاء هيجل أم مقاومة فلاح كربلاء..
عبدالعزيز السماري

لعلنا نتذكر هذه الأيام المقولة الشهيرة لفيلسوف التاريخ هيجل غداة مرور زحف جيش نابليون أمام منزله، والغازي لبلاده ألمانيا:«لقد رأيت الإمبراطور، روح العالم، على حصان، وهو يخترق شوارع المدينة. إنه لإحساس هائل يستولي عليك، وأنت ترى هذا الشخص بأم عينيك، هذا الشخص الذي ينتشر بظلّه فوق العالم، ثم يهيمن عليه..»، فلقد صارت هذه العبارة عند البعض هي الدليل لشرعية الاستسلام لمسيرة تقدم الحرية الأمريكية المزعومة، في سبيل الوصول إلى قمة هرم الوعي المثالي في الشرق العربي، والتي لا يجب أن يقاوم زحفها، إنسان متخلف أو مواطن ضعيف.وما تلك الصورة التي بثتها وسائل الإعلام عن ذلك «الريفي» العراقي الذي أسقط مروحية الأباتشي ببندقية تقليدية، إلا رمزاً لعمق الهوة، وسعة الخلاف بين دعاة قدر«ما هو كائن»، وحركة مقاومة «ما يجب أن يكون»، ولم يكن ذلك الفلاح حسب فلسفة المثالية إلا جاهلاً بمكر التاريخ، وعقبة تخلف ضد زحف دعاة التطور، وعاصياً منكراً لقدر الوعي المطلق، الذي حدده هيجل بالمراحل التي يقطعها الوعي من البداية حتى النهاية: أي من حالة السذاجة والجهل إلى حالة المعرفة الفلسفية الحقيقية أو المعرفة المطلقة، ويصفه بالتقدم التدريجي في رحلة الوعي منذ استيقاظه وحتى وصوله إلى الهدف النهائي، وذلك بفضل قفزات متتالية ومتصاعدة.
ونظرية تطور الوعي التاريخي هي الأطروحة التي نسج منها الأمريكي فوكوياما نظريته عن نهاية التاريخ، والتي أعلن من خلالها عن وصول الإنسان إلى مطلق المعرفة البشرية، وأن الديموقراطية الليبرالية الغربية هي الحالة النهائية للتطور التاريخي، والتي بدأ منحنى صعودها التصاعدي بمرور جيش نابليون أمام منزل هيجل عام 1807، ويستوي الآن على قمتها جيش بوش في زحفه الضروري لنشر الوعي الكامل في العراق المتخلف، وهو القدر الذي يجب أن يقبله الإنسان العربي بلا مقاومة، فمسيرة نقل النسخة الأمريكية من الوعي التاريخي يجب أن تأخذ مجراها في صحراء الاستبداد.
ويلعب أدوار البطولة في إعلان فوكوياما عن نهاية التاريخ البشري بانتصار الليبرالية الغربية، ثلاثة فلاسفة، أولهم ميكافيلي الذي حرر السياسة من كل القيم السامية والأخلاق، وهيجل الذي جعل التاريخ سنداً ميتافيزيقياً لسيطرة القوي على الضعيف أو السيد على العبد، وآخرهم نيتشة، الذي رأى فوكوياما في فلسفته عن القوة إثباتاً لشرعية ما يفعله الأسياد الذين لا يخشون المخاطرة بحياتهم من أجل السيطرة.
وقياساً على هذا الموقف الفلسفي، كان على الفلسطينيين أن لا يقاموا غزو نابليون إسرائيل الجديد «شارون» لأراضيهم، وأن يدركوا أن مقاومتهم للغزو الصهيوني في بدايات القرن العشرين، كانت حركة ضد قدر المطلق، فتلك الحركة، حسب تطبيقات فلسفة «هيجل»، مرحلة متقدمة من الوعي والتطور، كان يجب أن يستسلم العرب لغزوها، وكان أيضاً على اللبنانيين أن يستقبلوا الغزو الإسرائيلي والامريكي بالورود في الثمانينات بدلاً من القنابل والعمليات الاستشهادية، وكذلك يجب على المصريين أن يعترفوا بفداحة خطأهم، عندما قاوموا الاستعمار الإنجليزي في القرن الماضي.أما من يختار طريق المقاومة لصد الغزاة، فهو من صنف ذلك الريفي العراقي الذي رفض تحليق مروحية الأباتشي فوق منزله، بينما يقف دعاة الانحناء تقديراً للزحف الأمريكي المتحضر، في موقف الفيلسوف الألماني السعيد بمرور الزحف الغازي أمام منزله في طريقه لاحتلال بلاده، ولكي نقرر كمتابعين، أي الموقفين أقرب للصواب: مقاومة الريفي العراقي لغزو المتفوق، أم ترحيب «هيجل» فيلسوف المثالية للغازي كضرورة لتقدم الوعي التاريخي؟.. يتحتم علينا أن نحتكم لمحك الممارسة لتطبيقات تلك النظرية من خلال استعراض فصولها في الشرق، ولنبدأ بنابليون الذي غير غزوه لألمانيا واقعها المستبد إلى آخر أكثر تطوراً، فجيشه الغازي ظل في الجزائر «130» عاماً، ثم خرج منها، والشعب الجزائري في حالة من «الفرنسة»، لا يتذكر بسبب هيمنتها، ثقافته العربية، ومع ذلك لم يتجاوز الإنسان الجزائري أزمته السياسية، ولم يورث تلاميذ نابليون في الجزائر إلا الاستبداد الحزبي والطغيان السياسي، والذي أدى تطرفه في نهاية الأمر، إلى ظهور مقاومة دموية وعنيفة لم يتوقف رحاها عن تهشيم عظام الأبرياء في الجزائر، وكذلك كان الحال في السودان ومصر وسوريا والمغرب وليبيا، فجميعهم ارتد إلى استبداده بعد رحيل الاجنبي المستعمر..، وحتى لا نذهب بعيداً عن أزمة الموقف الصحيح من الحرب الحالية، لم يمض على خروج الغزاة المتفوقين من بغداد، أكثر من أربعين عاماً، ولم يؤد التطعيم بلقاح روح التاريخ الواعية في الخمسينات مستنقع الاستبداد، كما هو الحال في معظم بلاد الشرق الأخرى، ولنا أن نتساءل عن سبب ذلك النكوص العربي المتكرر، بعد كل تطعيم بلقاح العقل المتفوق.
وفي القرن العشرين، راح أيضاً الإمبراطور الأمريكي، ينشر نسخته الكاملة من الوعي في أقطار العالم الثالث، ولكن غزوه المستمر لم يخلف إلا البؤس والفقر والجريمة المنظمة والاستبداد، ففي عام 1973 قتل 30 ألف شخص في الانقلاب الذي نظمته المخابرات الأمريكية في تشيلي لتنصيب الدكتاتور بينوشيه ضد الرئيس المنتخب سلفادور الليندي، في عام 1975 انهزم الغازي الأمريكي في فيتنام بعد أن ترك وراءه ملايين الضحايا.وبلغ وزن القنابل التي ألقاها على الشعب الفيتنامي نصف وزن تلك الملقاة على أوروبا وأفريقيا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وبين عامي 1970-1975، قتل الغازي الأمريكي، مليون إنسان في لاووس وكمبوديا، و30 ألف شخص في الأرجنتين بالتعاون مع الجنرالات الفاشيين، ليتركها بعد ذلك في مهب رياح الديون وأزمات الانهيار الاقتصادي، وفي عام 1989 أنزل جنوده في بنما، وقتل حوالي خمسة آلاف بنمي.وكان على مر العقود في القرن العشرين، وراء معظم المآسي الاقتصادية والإنسانية في البرازيل وباراجواي وأورجواي وبوليفيا، ولم يكتف الأمريكي فقط باستغلال شعارات التبشير بالحرية والديمواقرطية كتبرير للاستعمار المتوحش في جنوب الكرة الأرضية، ولكنهم قتلوا الأبرياء، وكبلوا حركة أحفادهم بديون، أصبحت حملا ثقيلاً على كاهل الإنسان الخاسر في تحدي الوعي والتطور الغربيين وهذا دليل آخر، على عدم نجاح تطبيقات نظرية فلسفة التاريخ في العالم غير الأوروبي، ولنا أيضاً أن نتساءل عن سر هذه الخصوصية في الفشل لشعوب العالم الثالث.
والمفارقة في تبني بعض المثقفين، موقف غير الكاره لغزو الإنسان الأمريكي والمتفوق معرفياً للشرق العربي استناداً لمقولة الفيلسوف الألماني، أن ذلك العقل اسياسي الانجلوساكسوني لا يؤمن البتة بفلسفة هيجل المثالية، ويرفض أطروحة الإنسان المثالي، ويسقط المثقف وعالم الدين والمعلم من الدرجات العليا لسلم القيم الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي، ويضع في مواقعهم، التاجر ورجل المشروع الاقتصادي والمدير الإداري.. أما من يؤمن بضرورة المقاومة والصمود ضد الغزاة، كفلاح كربلاء، فلا يكتفي ذلك العقل فقط بإسقاطه إلى منزلة اجتماعية أدنى، ولكن يمزق أحشاءه انتقاما،.. جزاءً له وردعاً لأمثاله ممن يؤمن بالمقاومة المشروعة كوسيلة لتحقيق الاستقلال من هيمنة المستبد ومن استغلال المستعمر.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved