Saturday 5th april,2003 11146العدد السبت 3 ,صفر 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

العرب ظاهرة إعلامية..! العرب ظاهرة إعلامية..!
عبدالعزيز السماري

تحتدم معركة جانبية على هامش الحرب الدائرة بين العراق وأمريكا بين جناحي تيارين ثقافيين، يمثل أحدهما صوت العروبة والإسلام الذي لا ينحني أمام العدو مهما طالت المعركة، وآخر يرى في الواقعية والقبول بمكتسبات زمنية محدودة، تتناسب مع حال الوهن العربي في العصر الحديث، الاستراتيجية الملائمة للوضع الراهن، ويرمي تيار الواقعية، الإعلام العربي في أنماطه الجديدة بعد حقبة التسعينيات، بالثورية والتضليل للرأي العام، وإثارة العواصف والاضطرابات ضد مصالح الأقطار العربية مع امبراطورية العم سام.
بينما يتهم التيار العروبي والإسلامي تيار الواقعية بخيانة مبادئ الأمة، ويرى أن الاعلام العربي الجديد يمر في عصره الذهبي، ويقود مسيرة المجد وادارة رحى المعركة الفاصلة في القرن الجديد مع العدو التاريخي للأمة العربية، وهو وضع مقلوب لحد ما، فإعلام الستينيات، كانت تغذيه شعارات الحزب الرسمي الحاكم، بينما يتأثر الإعلام العربي الجديد بالمواقف الشعبية، ويثور نزولاً عند رغبة المشاهدين،وما غضب الإدارة الأمريكية الحالية تجاه أسبقيته الاخبارية في الميدان، إلا دليل على نجاحاته، وعلى قدرته الباهرة على القيام بنقل صورة الحدث بغض النظر عن هوى السيد الأمريكي.
وقصة العرب في مواكبة الثورة الإعلامية الفضائية، بالفعل محيرة، وتستدعي الاهتمام، فالعرب لم تثرهم منذ القرن السابع عشر في تاريخ الفكر، تلك القفزة في منهج التفكير الإنساني، والذي اعتبرت بمثابة القطيعة المعرفية بين حقبتين زمنيتين، وحد فاصل بين المرحلةا لعمومية والمرحلة العلمية، والذي دشن انتصارها، بدء عصر التمهيد لمراحل الثورات المعرفية المتعاقبة، والتطور العلمي على جميع المستويات، لتتوالى عصور الطفرات الصناعية والتقنية والاتصالات والمعلوماتية في القرن العشرين، والذي شهد ثورات الطيران والصواريخ وغزو الفضاء والطاقة والترانزيستور والاتصالات والرادار والتفزيون والكمبيوتر والاستنساخ والصعود للقمر وغيرها، ولسبب ما لم يكترث الشرق العربي بتلك الانفجارات العلمية، ولم يحرص على الاستفادة منها، ولم يكتف فقط بموقف اللامبالاة، بل ناصبها العداء، واختار الانكفاء والتقوقع بعيداً عن اختراقاتها المعرفية، والاكتفاء بالتعامل معها استهلاكياً، ولم تتوقف عجلة التطور عن الحركة إلى الأمام، لتفتح ثورة الهندسة الوراثية آفاقاً للبحث العلمي لمنع الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان والنبات، ولتصبح تقنيتها قادرة على مضاعفة انتاجية طعام الإنسان، ومع ذلك، لم تتحرك شهيته للاستفادة منها لمواجهة المجاعات التي تتعرض لها شعوب عربية.
ويدخل الإنسان عصري الطاقة النووية والشمسية بعدما كان يعتمد في السابق على الفحم والنفط.. ويبدأ عصر الذرة، ويتوصل العلماء إلى أسرارها ومكوناتها من خلال النظريات الذرية والنسبية والانشطارية والكمية، مما غير أفكاراً قديمة، وحل مشكلات علمية استعصى فهمها في السابق، وأجاب عن تساؤلات ظلت قروناً تبحث عن اجابات مقنعة لها، ولم يحرك ذلك الاعجاز العلمي ساكناً في ابجديات فكرنا القديم، ولم يحرضنا على الاستثمار بقوة من هذه الحقائق العلمية التي أصبحت واقعاً لا مفر منه.
ويبرز عصر جديد، تتخذ الفلسفة فيه موقعاً جديداً لها مع التطور الهائل في المعرفة، لتغدو بمثابة المفسر لظواهر الانتقال من حقيقة علمية إلى أخرى، ولتصل إلى صحة مرجعية الأولوية النظرية للخطأ، وأنه لا يمكن تشكيل معرفة علمية صحيحة إلا على أنقاض المعرفة الخاطئة، ومن خلال البحوث والاحصائيات والتجارب العلمية، فالحقيقة المعرفية أصبحت تنتزع من خلال الصراع مع الواقع، ومع ذلك ظل العقل العربي يرفض الفلسفة في أطوارها الجديدة، بسبب عداء قديم..!
ويتوصل تقدم العلوم الإنسانية، إلى ضرورة تطبيق الديموقراطية، لتحقيق الاصلاح الإداري والحفاظ على الوحدة الوطنية، وإلى أهمية ضمان حقوق الإنسان في التعليم والصحة والأمن الاجتماعي، وإلى بروز نماذج ناجحة للغاية في كيفية بناء الاقتصاد الوطني، من خلال تنمية القوى البشرية والاعتماد على الكوادر الوطنية، وذلك من أجل الحفاظ على مكتسبات زمنية، وضمان استمرار عوائدها على الجميع، ولسبب ما، لم تسترع أي من هذه التطورات والقفزات اهتمامات العقل العربي، ولم تدفعه إلى اللحاق بركب التطور، وظل منكفئاً في زاوية خارج عربة قطار التقدم السريع نسبياً، غير آبه بتتابع تلك الثورات المتلاحقة، وسعيداً بأصالته وعراقته، ولكنه مهموم بحنينه المتجدد إلى مجده الضائع منذ انتصاره في معركة ذي قار الشهيرة الى خروجه المرير من الاندلس.
* لينتفض ويطرد الخمول الذهني ويخرج من اعتكافه، يبحث عن ذلك المجد العظيم من خلال برامج رصد نبض الشارع وجلسات الحوار وحلقات الصراع الفكري التي لا تتوقف، بين تيارات فكرية وسياسية، لم تنقطع انساقها منذ المنذر بن النعمان،وعنترة بن شداد، وسعد بن أبي وقاص، والمعتصم، والحسين، وأبي فراس، والمتنبي، وابن تيمية..
وأكاد أجزم لو تحدث معجزة، ويخرج النعمان بن المنذر أو العز بن عبد السلام على احدى شاشات القنوات الفضائية ، لما اختلفت أطروحاتهم العروبية أو الإسلامية عن أي ناشط سياسي عروبي أو اسلامي معاصر، فالمجد للأمة العربية الخالدة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا غرو على الاطلاق في سمو واصالة تلك المبادئ، وشرعية الإرادة العربية والإسلامية في الاصلاح والنصر والمجد.
* والانشقاق المتجدد في الفكر الإسلامي والسياسي، موروث عنف واستبداد لم يستبدل طبعه الاقصائي بآخر متسامح، منذ اغتال عبد الرحمن بن ملجم الإمام علي كرم الله وجهه، إلى أن أصبحت بيانات التكفير واتهامات التخوين وقرارات القمع، ظاهرة عربية معتادة، وأسلوباً تقليدياً لإعلان حالة من الاختلاف في الرأي أو الموقف السياسي.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved