Sunday 9th november,200311364العددالأحد 14 ,رمضان 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

للعقل السليم للعقل السليم
عمر بن الخطاب.. رياضياً
تركي الناصر السديري

يبقى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، واحداً من أهم النماذج التاريخية المؤثرة في تاريخنا العربي والإسلامي، للأدوار المفصلية التي قام بها في بنيان دولة الخلافة الإسلامية وفي تكوينية المجتمع العربي الإسلامي، كصحابي، وكخليفة، وكفقيه، وكمجدد مؤثر ومؤسس لقيم ومبادئ سلوكية واجتماعية وفقهية وإدارية وفكرية، تظل ذات مرجعية في الفكر والفقه الإسلامي حتى يومنا الحاضر.
هذا الخليفة الفاروق، يقول عنه العمري:
كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليمنى، وبيده اليسرى أذن فرسه اليسرى، ثم يجمع جرافيزه «بدنه» ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرس.
وعمر، أو أية رجل آخر، يمتطي فرسه بهذه الطريقة، فإنه لا يسعه ان يفعل ذلك.. إن لم يكن ممتلكاً للياقة بدنية عالية تعينه على فعل ذلك.
ولعمر رضي الله عنه قول مأثور، عندما قال: «لن تخور قوى ما دام صاحبها ينزع وينزو».
يقصد ان قوة الفرد ولياقته لن تهون وتضعف ما دام مداوماً على صاحبها مداوماً على ممارسة الرياضة «هنا ركوب الخيل».
وقول عمر، وتحديده لركوب الخيل، ليس فقط لكون هذه الرياضة هي ذات الأولوية لدى العرب، والمتاحة بيسر وسهولة لهم ممارسة وتمكّن. إنما جاء التشبيه والتحديد من خلال معرفة راصدة لنموذج الحصان والركوب عليه واحتياج ذلك توافر لياقة بدنية ومهارية لدى الممارس.
أجهزة الجمباز المعاصر حسب ما يقوله د. أمين الخولي، أصلها الثقافي التاريخي ظهور الخيل وركوبها، فهي مصطنع لجسم الحصان الطبيعي، فقد كان الألمان يستخدمون الحصان لتأدية براعات الحركة فوق ظهره، وذلك بعد ان تقوم مجموعة من المساعدين بمسكه وتثبيته، وما زالت بعض هذه الأجهزة تحتفظ بنفس أسمائها الأصلية كأجهزة الحصان، وحصان الحلق والمهر.
***
تصارع عمر بن الخطاب مع خالد بن الوليد في ممارسة راقية لرياضة المصارعة التي كانت من رياضات المجتمع العربي الإسلامي، وكانوا يسمونها الصراع، وقد ازدادت ممارستها عندهم وقد مارسها رسول الله الذي صارع ركانة في القصة الشهيرة التي أعطى من خلالها رسول الله معنى وغاية وروح التنافس النبيل.
كان عمر قوي البدن، لا يغلبه أحد. إلا أنه حينما صارع خالد بن الوليد، فقد تغلب عليه خالد في منافسة قوية، ثار فيها الغبار، وكسرت قدم عمر فيها.
وسابق عمر الزبير بن العوام، فسبقه الزبير، فقال: سبقتك ورب الكعبة.
وسابقه عمر مرة أخرى، فسبقه عمر فقال: سبقتك ورب الكعبة.
ويذكر الألباني في مسند ابن حنبل عن عبدالرحمن بن يزيد بن الخطاب، قال: كنت أنا وعاصم بن عمر بن الخطاب في البحر عن حرم «أي محرماً للعمرة» يغيب رأسي وأغيب رأسه، وعمر ينظر بالساحل، بل كان عمر يتبارى بنفسه وينزل الماء وهو حرم مع ابن عباس، فكان يقول له: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفسا.
***
واهتم الخليفة الفاروق، بالرياضة وحث عليها، ليقينه بأهمية امتلاك أفراد المجتمع للياقة البدنية، التي تعينهم على أمور الدنيا المعاشية في كسب أرزاقهم، وتعينهم على أداء واجباتهم الدينية من صلاة، وحج، وعمل.
كما اهتم عمر بأهمية اللياقة البدنية والتدريب البدني لجنود جيشه، يقول علي بن الجعد، عن عثمان الهندي، قال: أتانا كتاب من عمر بن الخطاب يقول فيه «لجيش المسلمين في أذربيجان: «..، وأقطعوا الرُكب، وأنزوا على الخيل نزوا، وارتموا الأغراض» وهو القائل: علّموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً.
وبعث إلى سعد بن أبي وقاص في مصر:
«إن أجر الخيل وسبّق بين الناس ».
وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح في الشام
«إن علموا غلمانكم العوم، ومقاتلتكم الرمي»
***
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، انه مر ذات يوم بشاب ناسك، قد أحنى قامته، وطأطأ رأسه، وكمش ثيابه، وكان يمشي في سوق المدينة على هذه الصفة، فلكزه عمر بعصاه، ناهراً إياه.. يقول: «ارفع رأسك وأصلح قامتك.. لا تمت ديننا، أماتك الله».
***
انه بالفعل الرجل الرياضي، الخليفة الراشد الذي مارس واهتم بالرياضة وعرف قدرها وقيمتها.. وتعددت ضروب ممارسته لها، لم تمنعه صفته ومشاغله من أدائها، واتقانها.. وهو الخليفة الصحابي الجليل.. مثله مثل صحابة رسول الله الذين اكتسبوا هذه الاهتمامية للرياضة من نبي الأمة ونبراسها الذي مارس ألعاباً رياضية منذ ان كان طفلاً، وحتى وهو نبي مرسل من ربه.
السؤال إذاً.. ونحن مجتمع الإسلام وداره، أين نحن من ذلك، أقصد، هذه الألعاب الرياضية وممارستها والاهتمام بها. على نطاق المدرسة «التي لا تعرف الا الكرة الوحيدة.. النادر توافر ملاعبها الصحيحة في معظم المدارس مع الأسف! والمفقودة على نطاق الأحياء، التي لم «تستوعب» البلديات ومخططات الأراضي والأحياء السكنية من «ضرورية» توافر مواقع ملاعبها ومسابحها وصالاتها.. وكأنما نحن مجتمع لا يجب عليه ممارسة الرياضة.. وقد توارثنا «موقفاً خاطئاً» و«معرفة أمية» عن قيمة وأهمية الرياضة للفرد والمجتمع.. وانها «جزء من حاجات المجتمع الذي يستلهم نموذجه المثالي من مجتمع النبوة والخلفاء الذين عنوا واعتنوا بالرياضة قيمة، ووجوداً، وممارسة.
مَن الذي يسأل عن.. هكذا حال ؟!
أهو الجهل بمعرفة التكوين التاريخي والحضاري لمجتمعنا العربي الإسلامي.. وريث مجتمع النبوة وصحابته.. والركون الى موقف متوارث تغلبه نظرة العرف الذي لم تجعله نمطية الحياة والمعاش المترحلة وغير مستقرة بحاجة الى اللعبة الرياضية كوسيلة لتحقيق اللياقة البدنية، وكوسيلة ترفيه تخلق التآلف وروح الجماعة بين الناس.
أظن ذلك، سبباً قوياً، ومسبباً في سيادة هذا الموقف المسقط لقيمة الرياضة وأهميتها التي لا أهمية لها طالما ان الموقف الجمعي «المسيطر» يستمد قناعته من رأي يقول ان اللعبة الرياضية تفقد الفرد الذي يمارسها المروءة!! بمعنى انها تقلل من قيمته ومكانته واحترامه ورجولته ..
حكمة.. تأملوها
لا يأتي العقل مع العمر، بل هو في الرأس !

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved