Sunday 7th december,2003 11392العدد الأحد 13 ,شوال 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

«البدائع» المدينة التي نشأت على بئر ماء قبل أربعة قرون «البدائع» المدينة التي نشأت على بئر ماء قبل أربعة قرون
بديعة القصيم وبستانه الأخضر

  حلقات يكتبها: عبد العزيز محمد السحيباني 6/1
في هذا الاسبوع نحلق بكم الى حيث الارض الخضراء والخير المعطاء.. انها البدائع المدينة الخضراء، نصحبكم في رحلة شيقة بين تاريخها ومزارعها وجداول مائها العذب..
حين نسمع عن «محافظة البدائع» أو نقرأ عنها يتبادر الى اذهاننا تلك البساتين البديعة من النخيل الاخضر الذي يعلو بقاماته السامقة ليعانق بيوت الطين العتيقة والازقة القديمة، يعلو شامخاً في موسم الرطب ليعطي رطباً جنيّاً كالذهب كحبّات، تنتظم حبات البلح والرطب الذهبية والنحاسية الحمراء اللون والصفراء الفاقعة التي تنتظم خلال عسبان النخل.. مرسلة اصواتها مع خرير الماء كقصيدة ازلية تتغنى ببساتين «البدائع» البديعة التي ابدعتها يد الخالق.. في هذه المحافظة الحالمة التي تتوسَّد ضفاف وادي الرمة وتلتحف «كثبان رامة» والشقيِّقة والايرق.. تشمخ النخيل وتسمق وتعلو.. وتشرق الشمس بأشعتها الذهبية على كثبان الرمال المذهبة في شرق البدائع وغربها مكونة لوحة بديعة اخاذة.. في هذه المحافظة بدأت العمائر الشاهقة تعلو في كتلتها العمرانية وتتمدد مخططاتها وطرقها مبشرة بعصر زاهر لاقتصادها وزراعتها..
كيف نشأت «البدائع»؟
محافظة البدائع حديثة التكوين حيث انها نشأت اساساً بسبب خصوبة تربتها وغزارة مياهها على ضفاف وادي الرمة الجنوبية ومعظم سكان محافظة البدائع هم اساساً نزحوا اليها من الخبراء، الهلالية، رياض الخبراء وهناك صلات وروابط وثيقة لاهالي هذه المدن باهالي البدائع، يقول الاستاذ عبدالله بن محمد العبيد في كتاب «البدائع واحة القصيم الخضراء»: عند الحديث عن نشأة البدائع يعود بنا التاريخ الى ما يقارب اربعة قرون من الزمان اي حوالي عام «1000هـ» حيث نشأت الشبيبية، وهي في الطرف الشرقي من البدائع، وهي جزء منها ونشأتها كانت عبارة عن ست مزارع فقط، هي «البديع، العودة، الوسيطى، الخريفية، سرَّا، الموينعية»، وقد بني فيها بعض البيوت الصغيرة من الطين. والمزارع القديمة في البدائع مزرعة العسافية ومزرعة الحايط شرق البدائع «ام تلعة»، وكانت مزارع البدائع القديمة يغرس فيها النخيل الذي يشاهد الآن طويلاً على ضفاف الوادي ويسقى بواسطة السواني، ويقول الشيخ محمد بن ناصر العبودي في معجم بلاد القصيم «وقد جزم ابن بسام في تاريخه بأن اول عمارتها كانت في عام 1299هـ فقال في حوادث تلك السنة: فيها صار الابتداء في حفر اول قلبان البدايع. ولكن حفر القلبان لا يدل على ان البدائع لم تكن موجودة في ذلك التاريخ فليس وجود «القليب» ضرورياً لوجود بناء بل ليس هناك مايدل على انه لم تكن هناك اي قلبان قبل ذلك التاريخ بالبدائع.. والدليل على ذلك وجود آبار رامة بمنزل الحج البصري الواقع جنوب البدائع وقد مر على حفرها مايزيد على 1000 سنة وليس ما ذكره «ابن بسام في تاريخه» يدل على انه لم يكن هناك آبار قبل هذا التاريخ بالبدائع.
ماذا قال الرحالة الاوروبيون
عن «البدائع»؟
تحدث احد الرحالة الاوروبيين عن البدائع قائلاً: «بداية يقصد البدائع على بعد عدة اميال غربي عنيزة، مجموعة قصور يسكنها السبيع والعتيبة يشغل السكان مابين 2 3 اميال، ومعظم البطيخ الذي يزرع هنا يباع في العنيزة، والآبار توجد في ناحية القصور»، ويلاحظ القارئ تحريف اسم «البدائع» الى بداية نظراً للترجمة الخاطئة من هذا الرحالة من الانجليزية الى العربية، كما انه قصد سكان البدائع على السبيع والعتيبة وهذا خلط حيث ان سكان البدائع خليط من عدد كبير من القبائل وقد يكون كلام هذا الرحالة في بداية تكوين البدائع. وقال الشيخ محمد الفارس الجاركي الذي زار البدائع عام 1358ه في قصيدة له يذكر فيها «عنيزة والبدائع»:


بجانبها الغربي تلك «بدائعٌ»
بديعةُ حسن بالنظارة تبسمُ

المزارع القديمة
كما سبق ان ذكرنا فإن البدائع نمت وتطورت بهجرة السكان اليها من مدن وقرى الضفة الشمالية لوادي الرمة الى الضفة الجنوبية له وقد يكون السبب في ذلك هو خصوبة التربة ووفرة المياه وعذوبتها في الضفة الجنوبية اضافة الى سبب آخر وهو مناسبة طبوغرافية الارض للزراعة فميول ضفاف الوادي متجهة شمالاً وتوجد آكام ورمال تحفر فيها الآبار على ضفاف الوادي ومياهها مناسبة للزراعة وقريبة من مسطح وادي الرمة.. كانت الهجرة الى البدائع على ثلاثة خطوط متوازية كونت احياء البدائع الثلاثة فالوسطى تكونت من الهجرة اليها من الخبراء الموازية لها شمالاً والعليا تكونت من الهجرة اليها من رياض الخبراء والسحابين الموازيتين لها شمالاً، وام تلعة تكونت من الهجرة اليها من الهلالية والبكيرية الموازيتين لها شمالاً. ولا يعني هذا عدم وجود اي حياة او مزارع بالبدائع قبل ذلك فقد كان فيها آبار منذ العصر العباسي قرب رامة التي يمر بها طريق الحج البصري وان لم تكن داخلة ضمن منطقة الاستيطان بالبدائع وقد تكون فيها آبار قديمة وطمرت ايضاً.. ويشير الدكتور صالح بن علي الهذلول في بحث متميز له عن تطور ونمو البدائع الى ان «العميرية» هي اول مزرعة انشئت بالبدائع وقد انشئت عام 1297هـ وبعدها بسنين قليلة انشئت المزرعة المسماة الوابلية ثم تلتها كل من هذلولة والهويرينية واليوسفية والحميدية والدهيمانية. ويشير الدكتور الهذلول الى وثيقة شراء ارض مزرعة هذلولة التي درجت على محمد بن هذلول توفي عام 1316هـ من صالح الوابل صاحب الوابلية وتاريخ وثيقة الشراء هو بالتحديد 12 رجب عام 1307هـ وبالطبع فإن مزرعة الوابلية انشئت قبل ذلك التاريخ. وقد ربط الدكتور الهذلول بين هذه الوثيقة ورواية شايع بن يوسف النفيسة التي رواها الشيخ محمد بن ناصر العبودي في معجم بلاد القصيم حيث قال «ان والده كان يحضر المزرعة المسماة اليوسفية بعد موقعة المليدا «1308هـ» بأيام قليلة» وقال «لم يكن يوجد في البدائع في تلك السنة «1308هـ» الا سبع قلبان «ابار» والثامنة هي العميرية». واليوسفية مزرعة معروفة يقوم بزراعتها حالياً «الحميدي بن عبدالله النفيسة وتقع في سفح «حزم اليوسفية» الواقع الى الغرب من «البدائع العليا» بين كل من «مزرعة منقوزة» ومزرعة «دعيفيسة». كما يشير الدكتور صالح الهذلول الى بداية ظهور البلدة بقوله «استمر تأسيس المزارع بعد عام 1308هـ وكان المصلون يصلون الجمعة والعيدين في مكان مفتوح بين مزرعتي هذلولة والوابلية اما في وقت المطر فتقام الصلاة في غرفة بمزرعة هذلولة واستمر ذلك حتى عام 1314هـ وبعد تأسيس مزرعة سمحة قام صاحبها عبدالرحمن بن محمد السلامة وشهرته «عبيد» عام 1314هـ بالتبرع بالماء والطين للبناء فيما يقابل مزرعته من الجنوب وشجع على ذلك. ويبدو ان ظهور المستوطنة حول مزرعة سمحة واكبه ظهور مستوطنة اخرى قرب مزرعة الحميدية فقد قام الحميدي بن صالح العريني ببناء جامع قرب مزرعته المعروفة بالحميدية بعد نقل جامع المحلة الوسطى اي في عام 1317هـ او بعده بقليل وعرفت هذه المستوطنة فيما بعد بمنزلة الحميدي ثم المحلة العليا وفي حدود عام 1319هـ تم بناء مسجد جامع في ام تلعة او المحلة السفلى مما يدل على ظهور مستوطنة في ذلك الحين». انتهى كلامه.
ومزرعة الحميدية هي من اشهر المزارع في البدائع وتقع الى الشمال تماماً من «حي العليا» وفيها نخلة باسقة ترى من بعيد ربما تدل على عمر هذه المزرعة وقد يستدل علماء النبات على عمر النخلة من خلال تحليل حلقات جذوع النخل ومعرفة عمرها التقريبي. هذه المزرعة يقع الى الجنوب منها وعلى بعد عدة امتار جامع «حي العليا» الذي اسس الآن في موقعه جامع من البناء المسلح. وقد ذكر الدكتور صالح الهذلول ان تركي الصالح العريني وهو معمَّر تجاوز التسعين «أن صلاة الجمعة اقيمت في منزلة الحميدي قبل سنتين من اقامتها بمنزلة عبيد ولم يذكر التاريخ ولكن اقامة الجمعة بمنزلة عبيد كانت في عام 1316هـ وذلك بمسجد مبني وكانت قبل ذلك تقام بساحة مفتوحة بين مزرعتي هذلولة والوابلية ومعروف شرعاً ان صلاة الجمعة لاتقام باقل من 40 شخصا مما يدل على تزايد عدد سكان مستوطنة المحلة الوسطى «ملاحظة: المعمر صالح التركي العريني توفي رحمه الله وكان قد تجاوز المائة وما ذكره الدكتور الهذلول من أنه قد تجاوز التسعين كان عام 1402هـ اي انه ولد حوالي 1310هـ وبهذا فانه يدرك مراحل بناء مسجد الحميدية واقامة الجمعة فيه حيث ان عمره يبلغ حوالي 7 سنوات في ذلك الوقت».
ويقول الاستاذ عبدالله بن محمد العبيد في مؤلفه «البدائع واحة القصيم الخضراء»: «كانت اول مزرعة انشئت بالبدائع هي مزرعة العميرية وقد كانت بدايتها عبارة عن حسو اي «بئر صغيرة» وكان صاحبها هو الشيخ صالح بن قرناس من مشايخ الرس وقد توفي عام 1336هـ وقد انشأها سنة 1295هـ، وقد نقل المؤلف ذلك عن الشيخ ضيف الله المطلق الذي يزيد عمره عن 100 سنة في حوالي عام 1402هـ واستمرت فترة من الوقت بئراً صغيرة وكان ماؤها حلواً بل افضل بكثير من ماء مزارع «الشبيبية» وغيرها من البلاد المجاورة مما جعل كبار العشائر من البلاد المجاورة يأتون هذا المكان «البدائع» وقام بعضهم باحداث المزارع فيها حتى انتشرت واشتهرت، ثم جاء بعد الشيخ صالح بن قرناس قادماً من الهلالية محمد العلي العريني وانشأ بئره المعروفة «بأم أثلة» حوالي عام 1297هـ وقد ملك العريني محمد مابين «أم أثلة» و«الحايط» حيث غرس في الحايط النخل وبدأ يتصرف فيما بينهما من الارض فباع بعضها وزرع البعض الآخر.
أشهر المزارع
ومن اشهر المزارع القديمة بالبدائع الوابلية واسسها سليمان الوابل، وسمحة السلامة واسسها عبدالله السلامة، واليوسفية واسسها يوسف النفيسة والهويرينية واسسها ناصر الهويريني، هذلولة واسسها محمد بن هذلول. البديع «بديع حمود» واسسها حمود النويصر، الصالحية واسسها صالح بن محمد السحيباني، الجريبا، الوهيبية، امغيضة، السلطانية، ام حزم، العسافية، سهلة، زبنة، العرينية، الحميدية، عسيلة، دعيفيسة، منقوزة، صريخة، الدهيمانية، العوهليات «ثلاث مزارع» خربقاء، الحايط، طريخمة، المصيريعية، العثمانية، مشرفة، السحيبانية، الشايعية، العليطية، قاعية الجمال، روضة الجمال، حصنية قاعية حمود، علوة الوابل، بديع الوابل، اللغفية، ويقدر عدد المزارع القديمة بالبدائع بحوالي 380 مزرعة وحوالي 1400 مزرعة حديثة. وقد كانت المزارع القديمة بالبدائع تسمى «القصور» ومعروف ماذا تعني كلمة «القصور» فهي تعني البناء الضخم المشيد الذي يقطنه الاثرياء وقد كانت مباني المزارع القديمة هي كذلك في ذلك الوقت فهي فخمة البناء ويحوي بناؤها قلعة كبيرة على شكل شبه منحرف تسمى «المقصورة» يبرز منها نوافذ ينظر منها بشكل عمودي الى الاسفل لكيلا يرى الناظر منها من قبل الاعداء من بعيد وهي عالية البناء وتعتبر «برج مراقبة» لهذه المزارع اضافة الى العديد من الابنية والغرف واشهرها «القهوة» وهي مأوى للضيوف وساحة للاستقبال والطعام.. ومن الابنية القديمة في المزارع التي بقيت على حالتها «بديع حمود» والمقصود بحمود هو حمود النويصر الذي اسس هذه المزرعة واشتهر بعدد من المزارع اضافة الى «البديع» ومنها «قاعية» حمود تمييزاً لها عن «قاعية» الجمال الواقعة بمحاذاتها، ومن الابنية التي بقيت كذلك بناء مزرعة «السحيبانية». ومن اشهر مالكي المزارع القديمة بالبدائع صالح المحمد السحيباني الذي اقام مزرعة الصالحية وتعتبر هذه المزرعة من اشهر مزارع البدائع انتاجاً للقمح نظراً لاتساع مساحتها وخصوبة ارضها وجودة زراعتها. ومنهم ايضاً صالح بن عبدالرحمن السحيباني المشهور ب«الجمّال» وقد عرف بكثرة مزارعه الى اقسامها وجودة تنسيق نخلها وانتظامها، ومن مزارعه: روضة الجمّال.. الواقعة الى الغرب من «حي العليا» وهي واقعة في مكان اشبه بالروضة نظراً لانه «محير» لمياه وادي العاقلي «النساء» وعرفت الروضة بلذة تمورها من السكري والشقراء وكذلك قاعية الجمّال الواقعة الى الشمال من حي العليا وتشتهر المزارع القديمة بأنها كانت مدناً او قرى مصغرة ولعبت دورا اجتماعيا هاما في التكافل الاجتماعي ولها دور اقتصادي هام فالمزرعة الواحدة تؤوي اكثر من عائلة من خلال عدة غرف وبنايات وهؤلاء كانوا يعيشون عيشة باذخة مقارنة باهل المدينة او القرية.. فاقتصاد القرية او «الديرة» كان في ايديهم فلديهم يعمل اهل القرية بأجر في زمن «الحصاد» او «الختام» او «الخراف» وكانت هذه المزارع الممون الوحيد للقرى والمدن القريبة ففيها «القرع» و«البطيخ» والباذنجان وكذلك القمح والتمور واللحوم من خلال تربية المواشي.. كما ان هذه المزارع تحتوي على مخازن للحبوب تخزن فيها اكياس القمح وصوبة وهي مستودع تكنز فيه التمور لزمن الشتاء.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [خدمة الإنترنت] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved