Saturday 20th december,2003 11405العدد السبت 26 ,شوال 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

فيفاءُ فيفاءُ
د/ عبدالله الفَيْفي(*)

فيفاءُ، يا فَلَكَ الخَيالِ الأبْعَدا
وهَوىً يسافرُ في جناحَيهِ المَدَى!
«ما أطيبَ الحَجَرَ الفَتَى» متلألئاً
بالحُلْمِ صَحْواً والخُرافَةِ مَشْهَدا!
ما ضمّني بَلَدٌ ولا ضَامَ النَّوَى
إلا وجَدْتُ شذَاكِ فيَّ مُجَدّدا
قالوا: «هي الأوطانُ مهما تَجْفُنا»
وأقولُ، يا وطني: «فديتُك، سَيِّدا!»
لا جفوةٌ يُخشْىَ تغوُّلُها، ولا
يوماً حفلتِ بمَن جَفَا أو هَدَّدا
طَوْدٌ بهِ اللّه يُثَبِّتُ أرضَهُ
من أنْ تميدَ، وجَلَّ ذاكَ مُوَطّدا!
شمّاخةٌ فيها الحصونُ، كأهلها،
من رامَها رامَ السَّماحةَ والنَّدَى
أخلاقُها الجبلُ المُنِيْفُ، وهل دنا
جبلٌ يُعاتبُ من ذُراهُ الفَدْفَدا؟!
شَمَمُ الجبالِ منَ الرجالِ، ولا يُرَى
شَمَمٌ يُجاورُ في الرجالِ تَرَدُّدا!
ولأنتِ أنتِ، وراحتاكِ مواسمٌ
للحُبِّ تَذروهُ الحِياضُ زَبَرْجَدا
ومواسمُ الهِمَمِ الشَّواهق طَلْعُها
قِمَمٌ تُراودُ في ثراها الفَرْقَدا!
في كل «رَيْدٍ» بارقٌ متهلِّلٌ
ناجَى على كَتِفِ النتائفِ مُرْعِدا!
وكذا الحرائرُ: فتنةً، وحصانةً،
وفطانةً، وصِيانةً، وتَصَيُّدا!

* * *


فيفاءُ، يا كأسَ النَّدامَى إنْ هُمُ
ظمئُوا لطلِّكِ أكؤساً أو أكْبُدا!
مدّي جناحكِ، حَلِّقي ريّانَةً
بطموحكِ الوَثَّابِ، حُجِّي الأَمْجَدا!
فعقابُكِ الشاهينُ يصطادُ السُّهَا
وعقابُكِ الإنسانُ يصطادُ العِدَا!
(عبسيّةً) عَبَسَتْ على قَيْدِ الدُّنَا،
فتحَرَّرتْ، وأتَى الزمانُ مُقَيَّدا!
بارودُها شِيْحٌ وكاذيٌّ زَكَا
ورصاصُها عِنَبُ الفُتُونِ تَعَنْقَدا!
«هُزَّابُها» هَزَمَ العزائمَ مُصْبِحاً
ورمَى القلوبَ «بُعَيْثِرَانٌ» مُسْئِدَا!
من حَقْوِها لشِعافها رَشَفَ الضِّياءُ (م)
ظِلالَها راحاً وراحَ أو اغْتَدَى
لم يُلْقَ فيها جَحْفَلٌ مِن أنجُمٍ
إلاّ بهِ لُقِيَتْ جَحَافلُ من رَدَى!
جُنْدُ الجَمالِ، كتائباً بكتائبٍ،
واللهُ كمْ وَهَبَ الجَمَالَ وجَنَّدا!

* * *


يا غادةً حَلُمَتْ فغادرَ حُلْمُها
«نَيْداً» تَدانَى أو «حَبِيْلاً» مُصْعِدا
لفَّتْ «مِحَنَّتَها»، قوافيَ من دمي
عَرَفَتْ مَحَبَّتَها فسَاقَتْْني صَدَى!
بجديلةٍ من شَعْرها عَبِثَ الدُّجَى
والشمسُ أرْخَتْ بين نهديها يَدَا
لتثورَ في ربواتها «وَطَفُ» الضُّحَى
تَحْسُو نُضاراً صافياً وزُمُرُّدا
بُنِّيَّةَ النَّجْوَى، على أهدابِها
رفَّتْ طيورٌ فاستحالتْ أنْجُدا
من عَرْفِ فَوْدَيْها تَنَفَّسَ شارقٌ
وعلى خميلةِ شادنَيها وَرَّدا
في «شَتْوِها» صيفٌ يَلُمُّ حَصَادَهُ
في صيفها «شَتْوٌ» توالَى مُنْشدِا
حُلُمي هنالك غَيمتان بصدرها،
تتلاثمانِ وترأمانِ المَوعِدا!
وتُسبّحُ الأنواءُ من أعطافها،
نَوْءاً «يُحَوِّم» إثْرَ نَوْءٍ «مَغْرَدَا»!

* * *


يا مَن يُرى فيها المُحَالُ حقيقةً
وتدورُ في يدها الهُنَيْهَةُ سَرْمدَا
أهْمِي عليكِ مَحبَّةً لا يمَّحي
حِنَّاؤها، وأصوغُ جِيْدَكِ عَسْجَدا
عودي إليَّ من الأساطيرِ التي
«زَرْكَشْتِ» نَسْجَ خيوطها لي مَعْهَدا
«كثَبَغْطِرٍ» تهفو بقايا ريشِهِ
من ذمّةِ الذِّكْرى خيالاً من نَدَى
عودي كما كنتِ، كما لم تُعْرفي
إلاّ وَقَدُّكِ كالأريْجِ تَأَوُّدا
واستنبشي «فينوسَ» أيّامٍ نأتْ
نَحَتَتْ بهاءَكِ للأنوثةِ مَحْتِدا
وَلكَمْ جَنَى «حُسْنُ الحضارةِ»!، أين من
عَيْنيَّ حُسْنُ حضارةٍ كانتْ غَدَا؟!

* * *


دارتْ تُفَتِّشُ أُمُّنا عن أُمِّها
فينا وتَحْفِرُ في بقايانا سُدَى!
عِرْقٌ شَربتمْ منه كأساً واحداً
كيف استفاقَ تَحَدُّداً وتَعَدُّدا؟!
أَيُهَدُّ بيتٌ من حُروفِ قلوبكمْ
شَّيدتُمُ؟ فلبئس بيتٌ شُيِّدا!
أَتروح كلُّ عَسِيْفَةٍ في غِيلها
جَذْلَى وسَبْعُ الغِيلِ عنهُ تَشَرَّدا!
أَتُدارُ أحلامي وآلامي ولا
يَبْكِي عليَّ سوايَ فِيَّ مُسَهَّدا
سألتْ عَطَا.. سألتْ عُبَيْداً.. مالِكاً
أَسَفي عَلَيَّ بَنِيَّ أَيُّكُمُ الفِدَا؟!
وتأوبُ وَحْشَى، فالحناجِرُ أعينٌ
عمياءُ تلتهمُ الفراغَ المُوْصَدا

* * *


ما ردَّ مَجْدَكَ يا زمانُ تذكُّرٌ
أو جَدَّ أمرُكَ يا مكانُ تَوَجُّدا!
لكنَّ ليْ بمدَارِ تَهْيامي صَباً
تُعْلي جناحَ الحُلْم، قمْحيَّ النِّدا
لِغَدٍ سَيُثْمرُ سَقْفُهُ من فِضَّة ال
آماسِ صُبْحاً يافعاً خَضِلَ الرِّدَا
بُني الجِبالُ من الحجارةِ، إنَّما
جبلي بأحجارِ الرِّجالِ تَمَرَّدا!
(جمّانُ) يَنْبُتُ فيه من رَحِمِ الثَّرَى
والآبَنُوسُ سَرِيْرُهُ، حَقْلاً بَدَا
يَنْمُو (سَرِيّاً)، فالصواعقُ صَنْعَةٌ
في كَفّهِ، قَدُّوْمَهُ والمِبْرَدا!
ألَقٌ هنالكَ شاهقٌ يَشْتَفُّني
فأدورُ في رئَةِ الزَّمانِ تنهُّدا!
أستقرئ الأيَّامَ في صَدْري وفي
صَبْري غُبَارُ كتابها، مَتوَحِّدا!
عَطَشي على التِّرحال يفْتِكُ بي هنا
وإليكِ يا أمَلي شربتُ الأَفْؤُدا!
رُدِّي صِبايَ، صِباكِ فيَّ، صَبابتي،
واستقبلي كاليومِ أمسي الأغْيَدا
ولتغْفري بُعْدي القريبَ، وتغفري
قُربي البَعيدَ، ومرتقايَ الأعْنَدا!
صوتي على متنِ الوَنَى يسري إلى
أُذنَيْكِ أُمِّي فامنحيهِ المَوْلِدا!

* * *


فيفاءُ، يا بئرَ المعاني المُفرْدَا
ومَعِيْنَ شوَقٍ بالحروفِ تَوَقَّدا
لغةُ الرجوعِ إليكِ أُنثى، خَطُّ ها (م)
تفها بخَطِّ العُمْرِ فيَّ مُغَرِّدا!
ليستْ تنامُ، ولا أنامُ، وكيف لي
لو نامَ جوّالُ الهَوَى أنْ أُنْشِدا؟!
أرهقتِ بازَ الشِّعْرِ في تحليقهِ
من حيثُ جاءكِ كان شِعْرُكِ أجودا!
فاللهُ قد نَظَمَ الجَمَالَ، قصائداً
أُوْلَى، وكُلُّ الشِّعْر جاءَ مُقَلِّدا!
أُلْقِيْكِ في هامِ الأثيرِ قصيدةً
كحفيفِ ثوبِ عروسةٍ دافي الصَّدَى
وأقولُ تَرْحَلُ بي طُيُوبُ حضورها
يا أنتِ، أسْلمْتُ إليكِ المِقْوَدا
تَعِبَ الفؤادُ إليكِ، يا بلقيسَهُ،
فأتى يفتّشُ عنك عرشَكِ، هُدْهُدا
عفواً، أنا ما عاد صوتي في يدي
بُهِتَ البيانُ بأحرفي وتَبَلَّدا!
كمْ قُلْتُ إنِّي شَاعرٌ ومُصَوِّرٌ
حتى انْتَحَلْتُكِ، عامداً مُتَعَمِّدا!
فعرفتُ حَجمَ قصيدتي بقصيدتي
يا رَوْعَةَ الشِّعْر الذي لن يُقْصَدا!

* * *


فيفاء، كلّ ثرى العروبةِ مُوْحِلٌ
هلاّ وهبتِ ثراي نجماً يُهتدَى؟!
إني سألتكِ.. تأكلُ الفوضى يدي
وأضمّ من تعبي على تعبي اليدا!

(*)جامعة الملك سعود كلية الآداب

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-janirah Corporation. All rights reserved