Monday 12th January,200411428العددالأثنين 20 ,ذو القعدة 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الحوار الوطني وتعزيز بوادر المجتمع المدني الحوار الوطني وتعزيز بوادر المجتمع المدني
د. عبد الرحمن الحبيب

تعد التوصيات التي خلص اليها المشاركون في اللقاء الوطني الثاني للحوار الفكري وباركها سمو ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز، نقلة نوعية متميزة في دعم بوادر المجتمع المدني السعودي، خاصة ما أعلنته التوصيات من تفعيل عملية الإصلاح كالمشاركة الشعبية وتشجيع تأسيس مؤسسات المجتمع المدني، إضافة إلى الدعوة لترسيخ مفاهيم الحوار وفتح أبواب حرية التعبير المسؤولة، وتطوير مناهج التعليم بما يضمن إشاعة روح التسامح والحوار الموضوعي لجعله منهج مجتمعنا السعودي، لمواجهة التحديات والأخطار. مؤسسات المجتمع المدني التي أكدت توصيات الحوار الفكري على أهمية تشجيع تأسيسها، في تقديري أن المقصود بها جملة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال نسبي عن جهاز الدولة وعن أرباح الشركات في القطاع الخاص.
ومهما كان التفاوت في مفهوم مؤسسات المجتمع المدني فإن المعيار الوظيفي الأدائي يمكن أن يحدَّ من الخلط الهائل لهذا المفهوم بالابتعاد عن النظري المجرد والسجال الفكري.
بالنسبة للتجارب العربية، من الصعب القول أن مؤسسات المجتمع المدني كانت تعمل بكفاءة وفعالية نتيجة عوامل مرتبطة بصلاحياتها وسقف الحريات المسموح به، إضافة لقلة عدد تلك المؤسسات باستثناء مصر حيث يوجد بها ما يربو على ألف مؤسسة أهلية مدنية.
وحالياً، مع تبدل الظروف الخارجية وتقلباتها، ومع انكماش قدرة الدول على رعاية كافة احتياجات المواطنين خاصة مع تفاقم الأزمات الاقتصادية وتعثر كثير من مشاريع التنمية، والهجرة العشوائية الكثيفة من البادية والريف إلى المدن مشكِّلة ما يسمى بأحزمة البؤس التي تطوق المدن العربية، وما يصاحبها من ترييف المدن التي أدت إلى نكوص كثير من الحالات المدنية وتهميش أو تراجع الدور التحديثي التنموي والحقوقي للأنماط المدنية، من ذلك كله تولدت الحاجة إلى أن يبادر القطاع الأهلي المدني، وبتشجيع من الدولة، إلى تلبية بعض هذه الاحتياجات، وما قد يرتبط معها من تمكينها من القيام ببعض الأدوار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كانت تقوم بها الدولة.. وتوفر مؤسسات المجتمع المدني سبيلاً للمواطنين كي يتحاوروا مع النظام السياسي للتفاهم والمساندة حول الحاجة للتطوير والتغيير، ويتخذوا إجراء سلمياً نظامياً بدعم الدولة لإحداث هذا التغيير.
ويعد إنشاء منظمات غير حكومية أمراً أساسياً لبناء مواطنين أحرار مشاركين بنشاط في حكم أنفسهم. وهذا يستلزم توفر ركائز المجتمع المدني، وهي: الحقوق المدنية للمواطنة، الحقوق الأساسية بالمشاركة في الشؤون العامة، والحقوق الاجتماعية، وهذا مما أوصى به اللقاء الثاني للحوار الوطني.
إن دعوات القيادة الحكيمة للإصلاح وما رافقها من قرارات أصدرتها الدولة مثل السماح بإنشاء لجان عمالية، وهيئة للصحفيين، وإجراء انتخابات بلدية، وتأسيس جامعات أهلية.. الخ، وما يظهر هذه الأيام من السماح لكيانات مهنية واجتماعية جديدة آخرها جمعية العمال السعوديين الخيرية التي عُقد مجلسها التأسيسي في مقر مجلس الغرف التجارية بالرياض قبل أيام.
إضافة إلى ما سيتبع ذلك من قرارات أخرى متوقعة، كل هذه الكيانات يمكن اعتبارها تعزيزاً من الدولة لبوادر مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة.
كما يمكن اعتبار مجلس الشورى والمنظمات الطوعية والجمعيات الثقافية والعلمية والخيرية ومجالس غرف التجارة والصناعة أنماطاً مدنية تمثل قاعدة لانطلاق حركة مجتمع مدني سعودي حديث.
وبعد مباركة سمو ولي العهد للتوصيات المتقدمة التي أصدرها نخبة من المثقفين والمثقفات في الحوار الوطني الثاني، فإن هذه المباركة تحتاج للجدية والتفاعل من المجتمع الأهلي للتفاعل معها وتفعيلها.
فعلى سبيل المثال فإن اللجان العمالية ذات الدور النقابي التي أقرت في المملكة منذ عدة شهور لم يتبعها إنشاء لجان عمالية بحجة عدم مبادرة الموظفين أنفسهم.. فإدارة إحدى أكبر الشركات في المملكة تشكو من تقاعس العاملين بها في إنشاء لجنتهم!! كذلك يُنتظر من المسؤولين التنفيذيين في الجهات الرسمية القيام بما يكفي لتوعية العموم وإرشاد العاملين وتشجيعهم على إنشاء مثل تلك اللجان وتسهيل الإجراءات وتفعيلها. فهذه اللجان لم تقر إلا للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والارتفاع بمستوى المهنة والتعبير عن مصالح أعضائها، والمساهمة في إرساء الاستقرار لبلادنا.
من المهم أن يكون المعيار الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني هو فعالية أدائها الوظيفي ومجال صلاحياتها وسقف الحريات المتاحة لها وليس مجرد إقرارها أو إنشائها. وفعالية هذه الوظيفة للمجتمع تتحقق في ظل تحرك أهلي يتلقى الموافقة الحكومية بفعالية، ليقوم بأداء دور تكاملي للمؤسسات مع الدولة، وهو دور يجعل مؤسسات المجتمع موازية ومساندة لنشاطات الدولة وليس بديلاً عنها أو منافساً لها.
ويتحقق التوازن مع سلطة الدولة في إطار من التكامل وتقسيم العمل وتنسيق التعاون على تحقيق المنفعة العامة للمجتمع. ويجدر هنا التأكيد على أن مؤسسات المجتمع المدني لها دور تكاملي مع السلطة، مما يعني أنه على الجهات الرسمية التنفيذية المرونة في إجراءاتها البيروقراطية للمؤسسات التي سُمح لها بالتأسيس، والسماح بمزيد من الصلاحيات لهذه المؤسسات ضمن نطاقها الوظيفي المعلن، وعدم التشدد في سقف تلك الصلاحيات، وتقبل الرؤى المختلفة.
ومن المهم الاستفادة من أخطاء تجارب العديد من الدول العربية المجاورة في بناء المؤسسات المدنية وما اعتراها من فرز تناحري ينتمي للقرون الوسطى، مما عطل اندماج أبناء البادية والريف والمدن في بوتقة هوية وطنية واحدة لمجتمع مدني يستند على النظام وتكافؤ الفرص والمساواة. ومن هنا ينبغي لمؤسسات المجتمع المدني القائمة أو المنتظرة محلياً أن تتصف بالمهنية في إطار حديث بعيداً عن المناطقية أو القبلية أو الطائفية لتجنب عوامل التنافر والشقاق.
وذلك من خلال أنظمة واضحة، وأطر تحكمها العملية الانتخابية في كل مؤسسة وعلى قاعدة ثقافة وتربية علمية وعقلانية وفق مجتمع مسلم تحكمه الشريعة والحقوق المدنية والاجتماعية.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved