Wednesday 14th January,200411430العددالاربعاء 22 ,ذو القعدة 1424

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

تأثير الأحداث الإرهابية والعنف على الأطفال تأثير الأحداث الإرهابية والعنف على الأطفال

كان مرور تلك الأحداث الدامية والمروعة التي وقعت في شهر الصيام والأمان شهر رمضان المبارك، من أشد المواقف والمحن الصعبة التي تعرض لها مجتمعنا السعودي في شهر الرحمة، وقد حملت هذه الأحداث تداعيات وتأثيرات كبيرة نجمت عن هذه الاحداث المأساوية التي أصبحت تشكل خطراً عظيما على أمن مجتمعنا.
أما ما ترتب على أحداث العنف هذه من أضرار فهي بلا شك أضرار جسيمة على المجتمع بشكل عام، وعلى الافرد بشكل خاص، وبالأخص الاطفال الذين هم أقل تحملا لما يدور ويشاهدونه من أحداث تحمل الأسى وزعزعة الأمن والاستقرار لدى الطفل وزرع بذور الخوف في نفسه من جراء مشاهدة مثل هذه الأحداث.
في هذا الاستطلاع الذي أجريناه وسلّطنا فيه الضوء على أهم وأبرز آثار احداث العنف على الاطفال وسلوكياتهم مستقبلا.. استضفنا عدداً من أصحاب الاختصاص وأولياء الامور ليتحدثوا جميعا عن هذا الموضوع المهم.
تحدثت لنا الأخت إيمان أحمد موظفة وأم لثلاثة أطفال عن تجربتها الخاصة مع هذا الموضوع.
أولا أحب أن أقدم خالص شكري لصفحتكم الرائعة التي تتبنى مثل هذه المواضيع الهادفة والملامسة لمشاكل مجتمعنا، وأما ما يختص بهذا الموضوع فنحن جميعا نعتبر ما تعرضت له الرياض من اعتداءات آثمة وقعت في شهر رمضان المبارك، وفي أرض الحرمين لهو مصاب جلل أصابنا جميعا بلا استثناء بالذعر والدهشة والأسى والحزن لوقوع مثل هذه الأحداث الدموية المفجعة، دون مراعاة لقدسية الزمان والمكان، وقد تأثرنا جميعا وبالأخص الاطفال وأنا أتحدث ومن خلال واقع تعايشت من خلاله مع أطفالي الذين أحسست بأنهم تعرضوا لنوع من الرعب والخوف، من جراء ما وقع في مدينة الرياض وما يرونه بشكل مستمر من تناول لهذه الاحداث الدامية في شاشات التلفزيون والصحف اليومية، وهم دائما في حيرة وقلق وسؤال دائم عما يحدث، مثلا تسألني طفلتي الصغرى لِمَ يحدث هذا؟ وماذا يريدون.. وأسئلة حائر عديدة لا أجد لها اجابات في كثير من الاحيان، وكل ما أقوله هو الدعاء الدائم لهذا الوطن بأن يحفظه الله ويديم عليه أمنه واستقراره، وأن يدحض عنه كل شر ومكروه.
الأخت.. وفاء الناصر ربة منزل وأم لطفلين
تحدثت بمرارة عن تجربتها مع ما وقع مؤخراً من أحداث مؤلمة وهجمات مروعة تعرضت لها مدينة الرياض على يد عدد من العابثين بأمن هذا الوطن وممتلكاته، وكل ما أريد قوله هو اننا فجعنا جميعا بما حدث وكم أصابتنا الدهشة والألم لهذه التصرفات الرعناء التي تسببت في كارثة جماعية للمجتمع وبأسره وخاصة الاطفال وما عانيته أنا مع أطفالي تجاوز حد المعقول لأنهم أصبحوا يحلمون في الليل ويستيقظون مفزوعين، بدأت ألحظ أنهم أصبحوا يخافون من الجلوس بمفردهم ويخافون من الاماكن العامة كالاسواق أو مدن الملاهي، وتضيف أيضا مما لاحظته على احدى بناتي هي انها أثناء مشاهدتها (للتلفزيون) تبدأ في أكل أظافرها بشكل ملفت للنظر وقد كانت هذه المشكلة غير مقلقة بالنسبة لي حتى وصلت لدرجة اني ذهبت بها لطبيب نفسي فأخبرني بأنها تتعرض دائما لضغوط ما من خلال مشاهدة احداث عنف وكوارث تعرض عبر شاشة التلفزيون، وقد نصحني الطبيب بعدم تعرضها لمثل هذه المشاهد، والحفاظ على بقائها بعيدا عن هذه الاجواء المتوترة المشحونة بمشاهد الدماء والدمار، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لتقديم أصدق التحيات والأمنيات لوطننا حكومة وشعبا ودعائنا بأن يحفظ لنا أمننا ويقي بلادنا من كل شر ومكروه.
الأخت.. أم الوليد.. ربة منزل وأم لأربعة أطفال
تقول بنبرة يحتويها الحزن إزاء ما وقع من أحداث تعرض لها وطننا، وتقول بأنه أمر غير مألوف بالنسبة لنا كمواطنين ننعم بأمن هذا الوطن الذي زرع فينا الأمان والاستقرار والسلام مع الجميع وأن ما فعله هؤلاء الجناة هو أمر من الأمور المحرمة شرعا وهو القتل العمد والانتحار، ويتعارض تعارضاً تاماً مع تعاليم ديننا السمح الذي دعانا للتسامح ونبذ العنف بكل أشكاله وأكبر من ذلك ترويع الآمنين، ومن خلال تجربة شخصية مع أطفالي ومن خلال موضوعكم المهم الذي طرحتموه، فما مررت به من تجربة هي وبلا شك من أقسى التجارب لأني أصبحت أعاني مع أطفالي الذين أصبحوا في حالة خوف دائم وترقب مستمر لمثل هذه الاحداث المأساوية وهم دائمو السؤال عنها، وأكثر ما لاحظته عليهم هو خوفهم من الاماكن العامة، وكره التجمعات، وكثرة الاحلام المزعجة التي تنتابهم في فترة النوم، أيضا ما أصبحوا ينسجونه من قصص خيالية تدور حول هذه الاحداث وما لهذا من تأثير وثباتها في العقل الباطن لديهم، وكل ما أقوله اني أصبحت أقلل من مشاهدتهم للتلفزيون بشكل مباشر وأصبحت أقلل من فترة جلوسهم أمامه واقتصار متابعتهم للتلفزيون فقط للقنوات المخصصة للاطفال فقط، وأيضا عدم التحدث من قبلي وقبل والدهم بمثل هذه الامور أمامهم. وكل هذه محاولات مني لإبعادهم عن مثل هذه الاجواء وحتى لا يتزعزع ما لديهم من أمن واستقرار.
وكلنا دعاء صادق ومن الاعماق بأن يحفظ الله لبلدنا أمنه واستقراره، وأن يحميه من كل شر ومكروه.
ومن خلال ما طرحته الأخوات من تجاربهن مع أطفالهن عرضنا هذه التجارب على عدد من المختصين الذين أجمعوا على خطورة هذه الاحداث على نفسية الاطفال وسلوكياتهم وفيما يلي نستعرض هذه الآراء.
الدكتورة الجوهرة بنت سليمان السليم.. المديرة العامة للبحوث التربوية:
إن الله إذا أراد بأمة خيراً أنعم عليها بنعمة الامن والذي يقوم على أساس الطمأنينة النفسية فالأمن من أكبر النعم.
ومن قصص القرآن الكريم في دعاء إبراهيم عليه السلام لربه عز وجل: {بٌَ اجًعّلً هّذّا البّلّدّ آمٌنْا واجًنٍبًنٌي وبّنٌيَّ أّن نَّعًبٍدّ الأّصًنّامّ}، وقد قدم الامن على التوحيد مع أن الأمن من ثمرات التوحيد، قال تعالى: {پَّذٌينّ آمّنٍوا ولّمً يّلًبٌسٍوا إيمّانّهٍم بٌظٍلًمُ أٍوًلّئٌكّ لّهٍمٍ الأّمًنٍ وهٍم مٍَهًتّدٍونّ}.
لقد آلمنا جميعا ما حدث في رمضان من تفجيرات روعت الآمنين وانتهكت حرماتهم وشوهت صورة المسلمين وأفزعت الاطفال الذين انطبعت في ذاكرتهم الأليمة والمفجعة مما سيؤثر على نفسياتهم مستقبلا، خاصة انهم تعرضوا لهذه الصدمة في المرحلة المبكرة من حياتهم.
لكن لابد من تعميق الوعي الديني والفكري لمجابهة هذا الخطر في وسط شرائح المجتمع خاصة الفئة الشبابية التي يمكن ان يتسلل إليها أصحاب الفكر المنحرف عن طريق الطرح الثقافي المناسب لهم ومناقشة الافكار الهدامة التي تغزو الفكر الاسلامي بقصد زعزعة العقيدة الاسلامية في عقول المسلمين وقلوبهم، فلابد من مناقشة ذلك مع التلاميذ على المستوى الذي يناسب عقولهم حتى يستطيعوا حماية عقيدتهم وتكثيف الاعمال الاعلامية سواء المقروءة أو المرئية عن مخاطر هذه الاعتداءات ويكون ذلك مدعوما بالصور والمشاهد حتى يكون أبلغ وأدعى للقبول.
وتضيف سعادة الدكتورة الجوهرة ان ادخال مفهوم التسامح والتعايش مع الآخرين ليس فقط في المناهج الدراسية والانشطة اللاصفية بل في كتب وقصص وبرامج الاطفال والتوضيح بما يناسب مستواهم الفكري.
إن الدين الحنيف صان للانسان كرامته وماله وعرضه كما ارتكزت قيمه على التسامح والعدل والمروءة.
لقد أصبحنا نعيش انفصالا حاداً بين الاجيال فلم يعد الابن يصحب أباه ولا البنت ترافق أمها، وانعدم الانفتاح والحوار في محيط العائلة وصار الابناء والبنات يعالجون مشاكلهم ضمن تكتلاتهم الشبابية وعبر الانترنت، فلابد من تفعيل الاجواء العائلية وتوثيق الصلة فكريا وعاطفيا مع الابناء لنعرف توجهاتهم ونساعد في ترشيدها، واختتمت الدكتورة الجوهرة حديثها موضحة بأنه ومن أجل ان تكتمل الفائدة لابد من أن يسعى المربون من معلمين ومرشدين الى تربية النشء على نبذ هذه المفاهيم وتوضيح خطرها.
الدكتورة نادية سراج جان دكتورة في علم النفس في كلية التربية
لنعرف رأي علم النفس وموقفه من هذه الاحداث وتأثيرها على الاطفال
تسببت الأحداث الارهابية في قتل الابرياء، وترويع الآمنين، وتشتيت شمل الاسرة، وضياع الاموال، وتدمير الممتلكات، كما أساءت الى سمعة ديننا الحنيف، دين الرحمة والتسامح، ومما لاشك فيه ان التعرض لمثل هذه الخبرات العنيفة والمرور بهذه التجربة المرعبة يترك آثاراً نفسية عميقة الاثر تتطلب الكثير من الصبر والتفهم والوقت حتى تندمل هذه الجروح وحتى يعود الفرد لطبيعته السابقة.
إن سماع أصوات التفجيرات ورؤية الاجساد الممزقة، ومشاهدة الدماء النازفة، وسماع صرخات الفزع ونداءات الاستغاثة، يؤدي الى احداث صدمة نفسية حادة، بل ان مجرد مشاهدة هذه الاحداث على شاشات التلفزيون ومن خلال سماع القصص والمآسي يؤثر في نفسية الافراد وبالذات الاطفال الذين يشعرون بالضعف والعجز وعدم القدرة على حماية أنفسهم، وقد وجدت الدراسات النفسية ان التعرض للاحداث الدامية والعنف يؤدي إلى:
- تزايد معدلات القلق والخوف والتوتر.
- يؤثر على نوم الطفل فيصبح الطفل مضطربا لا يستطيع الاستغراق في النوم، وتنتابه الكوابيس التي يصحو منها خائفا مذعوراً.
- تقل قدرة الطفل على التركيز وعلى الاستيعاب ويتدهور لذلك مستواه الدراسي، وقد يحجم عن الخروج من المنزل وعن مفارقة أهله بسبب الرعب الذي يشعر به، وتوقعه بأنه سيكون ضحية في أي لحظة.
- ظهور اضطرابات سلوكية كالتلعثم، أو الانتكاس للتبول اللاإرادي.
- السلوك العدواني تجاه الآخرين وكأن الطفل يحاول ان يحمي نفسه بالتوحد مع دور المعتدي وتقليده حتى لا يكون هو الضحية.
- يبدو على بعض الاطفال التبلد واللامبالاة وهي حيلة دفاعية يحمي بها الطفل نفسه من الالم الذي لا يستطيع احتماله.
- كثيراً ما يشعر الناجون من هذه الاحداث العنيفة من الاطفال والراشدين بمشاعر الذنب والتقصير تجاه الآخرين لأنهم أثناء لحظات الرعب كانوا منشغلين بأنفسهم ولم يهتموا بالآخرين الذين لاقوا حتفهم أو أصيبوا اصابات بليعة.
إن إعادة التأهيل النفسي للاطفال الذين يتعرضون لمثل هذه الاحداث الدامية عملية طويلة ومعقدة، وتختلف قدرة الطفل على التكيف مع هذه الخبرة الصادمة باختلاف قدراته وامكانياته وبيئته الاسرية وما يجده من مصادر الدعم التي تساعده على الخروج من هذه الازمة واستعادة توازنه النفسي.
وبالرغم من ان الاعمال الارهابية ذات طابع دموي وعنيف الا ان الرعاية النفسية والاجتماعية الجيدة التي يتلقاها الطفل تساعده على التكيف الحسن وتيسر له الخروج من هذه الازمة وهو أكثر قوة وصلابة وأقدر على تحمل المصاعب والمشاق.
وأهم ما يجب ان يراعيه التربويون والآباء لحماية الاطفال أو لإعادة تأهيليهم من التأثيرات السلبية للعمليات الارهابية ما يلي:
- السماح للاطفال بالتنفيس عن مشاعرهم وبالتحدث عن المهم ورعبهم والانصات لهم والاجابة على أسئلتهم مثل لماذا؟ ومن؟ والتأكيد لهم على ان الجناة سينالون عقابهم في الدنيا والآخرة، لقاء ما اقترفوه من آثام.
- من الممكن ان تكون هذه الاحداث المأساوية مجالا حيا للاطفال يتعلمون منه قيمة الحياة الانسانية وبشاعة الظلم والكراهية والتعصب الاعمى.
- إن التعرض للمصائب يجعل الاهل والاقارب والاصدقاء والجيران وأفراد المجتمع يجتمعون ويتوحدون فيهبون للنجدة ولمساعدة الاخرين ومن خلال هذه السلوكيات الاجابية للآخرين يتعلم الاطفال أن الخير والطيبة موجودان في بني البشر ويأخذون دروسا في العطاء والبذل والايثار والتعاون، وينمون قدراتهم على الاحساس بالآخرين وعلى المشاركة الوجدانية.
- قد تكون هذه الاحداث فرصة لتنمية مدارك الطفل وتوعيته بهويته الاسلامية المتسامحة وغرس الوطنية في نفسه وتعميق مفهوم الاتحاد والتعاون بين أفراد المجتمع لمواجهة الشرور والفتن.
- وتستطرد الدكتورة نادية في حديثها إن محاربة الارهاب وافشاء ونشر الطمأنينة والسلام هو مسؤولية جماعية لا تقتصر على رجال الامن، بل إن كل فرد وكل مؤسسة اجتماعية عليها ان تقوم بدورها للقضاء على هذا الشر وتجفيف منابعه، وعلى التربويين والآباء والاعلاميين وأهل العلم العبء الأكبر في توجيه النشء وتنويره، واعداده ليكون أداة رقي ورفعة لوطنه، لا أداة هدم وتدمير، وهذا يمكن تحقيقه من خلال الخطوات التالية:
- اشاعة التنوير في الاذهان وتشجيع الناس على نبذ الخرافات وعلى التفكير المنطقي العقلاني في أمور الحياة.
- تعويد الاطفال على الحوار والمناقشة واحترام حق الآخرين في الاختلاف، فالتباين في الفكر والاعتقاد أمر طبيعي يقول سبحانه وتعالى: {ولّوً شّاءّ رّبٍَكّ لّجّعّلّ پنَّاسّ أٍمَّةْ واحٌدّةْ ولا يّزّالٍونّ مٍخًتّلٌفٌينّ}.
- الاهتمام بالمناهج وتطويرها، وتنقيتها من الحشو الذي يسطح فكر المتعلم ويقوده الى تصديق وترديد ما يسمع دون نقاش أو تمحيص، وتشجيع المتعلم على التفكير العلمي والرؤية الناقدة.
- بناء شخصية الطفل وتعويده على الاستقلال والاعتماد على نفسه وعلى عدم التبعية والخضوع للآخرين.
- تشجيع الموضوعية والاتزان في الرأي.
- الاهتمام بالتربية الدينية التي تغرس القيم الصالحة في النفس «كالصدق والاخلاص في العمل والولاء للوطن وحب الآخرين، وتحري الكسب الحلال، وعدم الانغماس في الشهوات، والاستمتاع بمباهج الحياة في حدود ما أحله الله».
- توعية النشء بأن الدين الاسلامي الذي يستغله الارهابيون في تبرير جرائمهم بريء مما يزعمون، فالاسلام حرم القتل والعدوان ودعا الى السلام ونبذ العدوان والتدمير وترويع الآمنين، قال تعالى: {ادًعٍ إلّى" سّبٌيلٌ رّبٌَكّ بٌالًحٌكًمّةٌ والًمّوًعٌظّةٌ الحّسّنّةٌ وجّادٌلًهٍم بٌالَّتٌي هٌيّ أّحًسّنٍ إنَّ رّبَّكّ هٍوّ أّعًلّمٍ بٌمّن ضّلَّ عّن سّبٌيلٌهٌ وهٍوّ أّعًلّمٍ بٌالًمٍهًتّدٌينّ}.
وقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الاسلام خير؟ فقال: (تطعم الطعام وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف).
- توعية النشء بأن التفوق العلمي والتكنولوجي هو الاسلوب الذي ستتمكن به الأمة الاسلامية من اثبات هويتها واستعادة حقوقها وفرض احترامها على العالم وان دوامة القتل والتدمير لن تؤدي بالامة الاسلامية إلا الى المزيد من الفتن والتخلف والفقر والجهل، ولهذا على الشباب ان يوجه طاقاته نحو العمل والبناء لا نحو القتل والهدم.
وكان لعلم الاجتماع وقفة مع هذا الموضوع الحيوي وقد أجابت حوله الأستاذة دانة الشاهد.. اخصائية اجتماعية في مستشفى التخصصي ومركز الأبحاث بالرياض.
مما لا شك فيه ان الاحداث المؤلمة التي حدثت في شهر رمضان المبارك كان لها أعمق الآثار السلبية على أطفالنا الصغار من خلال مشاهد الدمار الشامل وجثث القتلى المتناثرة وخاصة الاطفال مما يجعل الشعور بالخوف وعدم الامان يتولد لديهم مثلا: أن يكون يدرس الطفل في فصل دراسي يدرس فيه أحد أبناء المجمع الذي تعرض للاعتداء والذي لم يتمكن من الحضور بسبب الدمار الذي لحق بمنزلهم ولم يستطع الحصول على كتبه وملابسه أو انه أصيب هو أو أحد أفراد أسرته بجروح من جراء الانفجار، أو قتل أحد أبويه أو اخوانه في هذا الاعتداء، أو أن الطفل نفسه توفي، فكيف ستكون مشاعر أصدقائه في الفصل وكيف سيكون وقع مثل هذا الحادث المؤلم الذي فقدوا فيه صديقاً لهم كان يدرس معهم في نفس الفصل.
إن رؤية الطفل لمشاهد الدمار قد تولد لديه الميل الى العنف أو الاجرام وخصوصا إذا ما اقترن ذلك في مفهومه بالدعوة الى الشهادة او الجنة أو ان مهاجمة هذه الفئات حلال وجائز شرعاً.
كما أن رؤية هذه المشاهد قد تؤدي الى بعض الاعراض مثل اضطراب النوم والاحلام والكوابيس المزعجة أو التبول أثناء النوم أو التعلثم في الكلام.
وتضيف الاستاذة دانة بأنه ومن الواجب تجنيب الطفل قدر الامكان رؤية هذه المشاهد المؤلمة، وإن كان من المستحيل بسبب سيطرة الاعلام بمختلف وسائله بطريقة قوية فيجب مناقشة هذا الموضوع معهم بطريقة مبسطة وإذا كان لديهم بعض المعتقدات والمفاهيم الخاطئة فيجب العمل على تصحيحها من خلال تعاليم ديننا الحنيف، ومحاولة تدعيم الشعور بالامن لديهم حتى يعود لهم الاطمئنان والثقة، وافهامهم بأن هؤلاء الابرياء الذين قتلوا من غير ذنب سوف يبدلون داراً خيراً من هذه الدار الفانية وما يجب علينا تجاههم هو ان نترحم عليهم وأن ندعو لهم بالمغفرة وإذا كان من الممكن ان نمد يد العون الى اهلهم فلا نتأخر في ذلك لأن هذا من شأنه غرس حب مساعدة المحتاجين منذ الصغر.
وقد كان للشرع رؤية وموقف واضح من هذه الاحداث نستعرضه مع فضيلة الشيخ خالد الشايع
وقد تحدث فضيلته عن كيفية مواجهة أفكار الانحراف في جانب الشبهات والشهوات تتم عبر دعامتين مهمتين:
الأولى: الاسلوب الوقائي.
الثانية: الاسلوب العلاجي للطوارئ والنوازل.
أما الأسلوب الوقائي: فعماده ترسيخ الايمان بالله عز وجل وتأصيله في النفوس وفق ما فهمه القرن الأول من هذه الامة من الصحابة والتابعين، بما فيه من تعظيم الحرمات، والاعتصام بالكتاب والسنة، والحرص على ما يؤلف القلوب ويجمع الامة ولا يفرقها، وحفظ حقوق الخلق أجمعين.
ويجب في هذا المقام ان يحذر أشد التحذير من ان يكون قائد الانسان ودليله في فهم الدين ما يقوم في خاطره وما يوافق هواه، فما هكذا تعبدنا الله، ولكن قال الله سبحانه وتعالى: {فّاسًأّلٍوا أّهًلّ پذٌَكًرٌ إن كٍنتٍمً لا تّعًلّمٍونّ}.
أما الأسلوب العلاجي: فهو استخراج وتطبيق لما تم تأصيله في نفوس الناس من المنهج الحق ليواجهوا به ما نزل بهم وطرأ على حياتهم، فعندهم رصيد قويم ومورد زلال من نصوص الوحيين وبيانها من علوم الائمة، ما يمكنهم من تمييز الحق من الباطل.
ولا ريب ان هاتين الدعامتين بحاجة الى تأصيل ورسم استراتيجي يمتد لأجيال، مع استثمار السبل المتاحة من التربية والتعليم والاعلام وغير ذلك.
ويضيف فضيلته ان المنهج التربوي الامثل للاطفال لإيجاد منهج التسامح والمحبة المستمدة من الاسلام فيما بينهم وبين اخوانهم أهل الاسلام، يتم تأصيله بتعظيم الحرمات في أنفسهم، بحيث يستقر في أنفسهم ان ما أمرت به الشريعة برعايته وحفظه فيجب ان يستجاب لهذه الاوامر حتى يفوز العبد بجنة الله ورضوانه.
وهذا ما يشير إليه توجيه المعلم الاول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين وجه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وكان لا يزال في بواكير عمره، ففي جامع الترمذي عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (يا غلام اني اعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك....) الحديث.
ولا ريب أن أمره بحفظ الله يشمل حفظ كل ما أمر بحفظه من الفرائض والواجبات والحقوق والدماء والاموال والاعراض والايمان.
ويستطرد قائلا: كما ان عرض الشواهد المرسخة لهذه المعاني من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يرسخ تعظيم الحقوق والاحترام لها له أثره البالغ في توعية الاولاد من بنين وبنات في رحمة الآخرين وحب إسداء الخير إليهم، وهذه الشواهد كثيرة جدا، وحسبي ان اجتزئ هنا بواحد منها، ومن رحمته عليه الصلاة والسلام بالطير، فلأن يكون مع الآدميين من باب أولى.
فعن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله عليه الصلاة والتسليم في سفره، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمرة (نوع من الطيور بحجم العصفور تقريبا) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تُعرش (أي ترفرف بحيث ترخي جناحيها وتدنو من الأرض كأنها ستسقط ثم ترتفع، وتكرر صنيعها ذلك جزعا على صغارها) فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها..) رواه أبو داود وغيره، وبمثل هذه القصص والهدي النبوي الكريم أن نصل إلى عمق نفس الطفل لنبني فيها حب الآخرين ورعاية حرماتهم.
ومن هذا المنطلق المهم ان يتولى الوالدان والمربون والمربيات البيان والتوضيح لهؤلاء الصغار الذين تشوشت الافكار في أذهانهم، بحيث يبين لهم ان هذه الاعمال ان صدرت ممن لم يتبع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حذّر من قتل الحيوان بغير حق، فكيف بقتل البشر، وبالامكان ان تُساق الشواهد على هذا، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم، أخبر أن الله عاقب امرأة لأنها قتلت هرة عندما حبستها ومنعت عنها الطعام، ولذلك فإن من يقتل ويعتدي فإن الله يكرهه ويحاسبه.
وبمثل هذا المنهج يمكن ان نفصل بين جوهر الاسلام ونقائه وطهره، وبين أخطاء من يخطئ من أهل الاسلام، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
ونحن بدورنا نتوجه لهذا الوطن الغالي بكل عبارات الولاء والحب والانتماء لأرض الحرمين بأننا نقف جميعا صفا واحدا ضد المغرضين العابثين الحاقدين، وأنهم لن ينالوا منا سوى قوة وتكاتفاً وتلاحماً ووقوفاً ضد كل ما من شأنه المساس بوطننا الغالي، ما نتمناه أن يعمق الفكر الواعي لدينا جميعا لمجابهة مثل هذه الأفكار المنحرفة، وغرس مبدأ السلام والتسامح في نفوسهم.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved