Friday 4th June,200411572العددالجمعة 16 ,ربيع الثاني 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "أفاق اسلامية"

«الجزيرة » تفتح ملف.. سلوكيات يرفضها الإسلام «الجزيرة » تفتح ملف.. سلوكيات يرفضها الإسلام
الاقتراض بلا مبرر إهدار للنعمة وإذلال للنفس

* الجزيرة - خاص:
جاء الإسلام ليخلص البشرية من أدران الجاهلية وأمراضها، ويقوم السلوك الإنساني ضد أي اعوجاج أو انحراف عن الفطرة السوية، ويقدم العلاج الشافي لأمراض الإنسان في كل العصور القديم منها والحديث، مما حملته العصور الحديثة بتقنياتها ومستجداتها، وهو علاج تقبله كل نفس سوية، ولا ترفضه إلا نفوس معاندة مكابرة، جاهلة، أضلها هوى، أو متعة زائلة.
وقد استوعبت الشريعة الغراء كل ما قد يقترفه الإنسان من ذنوب، أو محرمات في كل عصر، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً، أو حتى ما يعتمل في الصدور من مشاعر وانفعالات، وأبانت أسباب تحريمها جُملة وتفصيلاً في القرآن الكريم والسنة المطهرة، إلا ان الكثيرين مازالوا يسقطون في دائرة المحرمات هذه، إما جهلاً، أو استكباراً، أو استصغاراً لها، أو بحثاً عن منفعة دنيوية رخيصة واستجابة لشهوة لحظية، بل إن بعض هؤلاء يحاولون الالتفاف على حكم الإسلام الرافض لهذه السلوكيات، بدعاوى وأقاويل هشة لا تصمد أمام وضوح وإعجاز الإسلام في رفضه لهذه الموبقات التي تضر ليس مرتكبها فحسب، بل تهدد المجتمع بأسره.
و«الجزيرة».. تفتح ملف هذه السلوكيات المرفوضة، تذكرةً وعبرةً ووقايةً للمجتمع من أخطار هذه السلوكيات، وتحذيراً لمن يرتكبها من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، من خلال رؤى وآراء يقدمها أصحاب الفضيلة العلماء والقضاة والدعاة وأهل الرأي والفكر من المختصين كل في مجاله..
آملين ان تكون بداية للإقلاع عن مثل هذه السلوكيات التي حرمها الله، قبل ان تصل بصاحبها إلى الندم وسوء الخاتمة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الاقتراض يفرج الكُرب.. لكن عندما يكون للضرورة لا للرفاهية، والسؤال الذي يطرح نفسه كثيراً من أفواه أصحاب الأموال الضائعة لدى المقترضين.. يدعو للتساؤل عمن يقترضون بلا مبرر حقيقي، ولا يستطيعون الوفاء، وهو ما يرفضه الإسلام، وينصح بعدم التوسع في الاقتراض إلا لضرورة قصوى، تجنباً لممارسة الغدر والمماطلة، ونقض العهود، فليس هذا من شيم الإسلام وأهله الحقيقيين.. لكن ما هي سلبيات هذا النوع من الاقتراض، ومخاطره، ولماذ رفض الإسلام هذا السلوك؟
الشيخ منصور بن صالح الهديب عضو الدعوة والإرشاد يعرض لذلك ويقول: إن الإنسان قد يحتاج إلى شيء ثم لا يجد له ثمناً، فإما أن يأخذه إلى أجل، أو أن يقترض من أحد الناس قرضاً ليقضي به حاجته أياً كانت، فالقرض جائز، وهو في حق المقرض مندوب إليه، ومباح للمقترض، ولقد ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يستقرض، ففي صحيح البخاري أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- (توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير) ومعنى ذلك أنه- صلى الله عليه وسلم- اشترى طعاماً إلى أجل، وكذلك تبين في الصحيحين أنه- صلى الله عليه وسلم- استلف بكراً، وكذلك في سنن أبي داود أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- استقرض من جابر بن عبدالله رضي الله عنه مالاً، وفي سنن النسائي أن عبدالله بن أبي ربيعة- رضي الله عنه- قال: استقرض مني النبي- صلى الله عليه وسلم- أربعين ألفاً)، ولقد جاء في السنة أيضاً الحث على إقراض المحتاج.
ويشير الهديب إلى فضل الاقتراض، وتفريج الكربة على المسلم، ففي سنن ابن ماجه من حديث ابن مسعود، قال- صلى الله عليه وسلم-: ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) وفي صحيح الجامع: إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة، أي يكتب للمقرض ثواب التصدق على نصف ما أقرضه، لذلك جاء عن أبي الدرداء- رضي الله عنه- أنه قال: (لأن أقرض دينارين ثم يردان ثم أقرضهما أحسن إلي من أن أتصدق بهما).
والمسلم إذا أقرض أخاه لحاجته ففيه أجر تفريج الكربة وقضاء الحاجة، وفي الحديث: (من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، وجاءت السنة أيضاً بالحث على التخفيف والوضع والإنظار للمعسر، وأن في ذلك أجراً عظيماً، ففي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أنه سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)، وفي السنن أيضاً، وأصله في الصحيحين:( ذاك الرجل الذي هلك، ولم يعمل خيراً قط، فقال الله له: هل عملت من خير؟ قال: كنت أبايع الناس فأنظر المعسر، وأتجاوز عن الموسر، فأدخله الجنة)، فإذا احتاج الإنسان إلى الدين فليستدن وهو مجمع النية على الوفاء، فلقد قال- صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري:(من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، والمعنى - والله أعلم- (أن الله يعينه في الدنيا على أدائها بما يفتح له من رزق، قال ابن حجر في الفتح: بأن الله يؤدي عنه إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما يتكفل عنه في الآخرة)، ويؤيد ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح الجامع: (من ادّان ديناً ينوي قضاءه أداه الله عنه يوم القيامة)، وفي الصحيح الجامع أيضاً قوله- صلى الله عليه وسلم-: (من أخذ ديناً، وهو يريد أن يؤديه أعانه الله).
عدم التوسع
وينصح الشيخ الهديب بعدم التوسع في الاقتراض إلا لضرورة لما في شغل ذمة المسلم بالدين من خطر عظيم على دينه ومستقبله الأخروي، فإن الإنسان لا يفتح عليه باب الدين، وهو بجبلته لا يشبعه شيء حتى لا يشعر إلا وقد غرق في ديون لا يستطيع وفاءها.. فماذا يصنع بحقوق الناس بعد ذلك؟ وحقوق الناس أمرها عظيم، ألم نسمع قوله- صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، فيقتص الحكم العدل سبحانه في يوم القيامة للمظلوم من ظالمه، حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة، حتى الحيوان يقتص لبعضه من بعض، فلربما كان على الإنسان دين، ومات قبل أن يوفيه، فيعذب به في قبره، كما حصل ذلك لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم-توفي وعليه دين، فامتنع النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة عليه، وقال:( صلوا على صاحبكم)، فتكفل أبو قتادة أو غيره بسداده عنه، فصلى عليه الرسول- صلى الله عليه وسلم-، ولكن أبا قتادة تأخر في السداد، فكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- يسأله عن ذلك حتى قال: وفيت عنه يا رسول الله، فقال- صلى الله عليه وسلم-: (الآن بردت جلدته) أو كما ورد.
ويوضح الهديب أن الدين إذا أهمله الإنسان يسبب إفلاسه يوم القيامة من أعماله الصالحة التي مازال في عمره يجمعها،و يدخرها لعله يدخل بها في رحمة الله، استمع إلى قوله- صلى الله عليه وسلم-:( أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال- صلى الله عليه وسلم-: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم وغيره.
عظمة الدين
لذا وردت أحاديث عنه- صلى الله عليه وسلم- تشدد في الدين، وتبين خطر التساهل به، ففي صحيح ابن ماجة من حديث ثوبان- رضي الله عنه- مولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه- صلى الله عليه وسلم قال:( من فارق الروح الجسد، وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: من الكبروالغلو والدين)، وفي سنن ابن ماجة- رحمه الله- من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال- صلى الله عليه وسلم- :( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه (صحيح ابن ماجة)، وفي سنن النسائي من حديث محمد بن جحش- رضي الله عنه- قال: كنا جلوساً عند النبي- صلى الله عليه وسلم- فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع يده على جبهته ثم قال: سبحان الله، ماذا أنزل من التشديد؟ فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته: يا رسول الله، ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال- صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه) أخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي والألباني في صحيح الجامع، وأيضاً في حديث عبدالله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : (نعم)، فلما أدبر ناداه رسول الله أو أمر فنودي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: كيف قلت؟ فأعاد عليه قوله، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم- : نعم إلا الدين كذلك قال جبريل (رواه مسلم)، وفي رواية له: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين).
ويضيف الشيخ الهديب أن الأحاديث السابقة تدل على عظيم شأن الدين، وعلى خطر التساهل به، وأن الله لا يغفره للشهيد، لذلك كان رسولنا- صلى الله عليه وسلم- يدعو الله أن يقضي دينه، كما في الحديث: (اللهم استر عورتي وآمن روعتي واقض عني ديني) صحيح الجامع، وكان- صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من الدين، كما في صحيح البخاري من حديث عائشة: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان يدعو في صلاته ويقول: اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم، قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف، وهذا مايحصل فعلاً لأولئك الذين لم يفكروا في عواقب وتبعات الدين، فمازالوا يتسلفون، ويستقرضون لأدنى شيء، ويثقلون كاهلهم بالديون دون ما حجة أصلاً، وإنما من باب الكماليات فيغيرون فرش بيتهم بالدين مع أن فرشهم يكفيهم سنوات، ويغيرون سيارتهم بالدين لورود الموديل الجديد، وهكذا حتى يغرقوا في الديون من حيث لا يشعرون، ثم لا يستطيعون الوفاء والسداد، وبعدها لا يتورعون عن الكذب وإخلاف الوعد، واختلاق الأعذار، والأقبح من ذلك يأخذ أموال الناس، وهو لا يريد السداد ابتداء، وإنما يريد إتلاف أموالهم وأكلها بالباطل، فهو عندما أخذ كان مجمع النية على عدم الوفاء، وفي أمثال هؤلاء قال- صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، يعني أن الله عز وجل لا يوفقه لسدادها بمحق بركة المال، وبدعاء الناس عليه الذين أخذ حقهم، وقال أيضاً- صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل يدين ديناً وهو مجمع ألا يوفيه إياه لقي الله سارقاً)، فهذا يدل على عظم ذنب الذي يأخذ أموال الناس بمسمى القرض، وهو أصلاً قد نوى عدم السداد، فلا فرق بينه وبين السارق، لذلك قال أبو هريرة- رضي الله عنه: (أيما رجل كان عليه دين فأيسر، فلم يوفه كان كأكل سحت)، وهو يشبه هذا من استعمل العمال لحاجته، ثم إذا انتهوا من عملهم لم يعطهم أجرهم وحقهم، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح الجامع: (أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، وقال أيضاً: (إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوج امرأة، فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلاً فذهب بأجرته).
والمسلم مطالب دائماً أن يتقي الله في حقوق الناس، وأن يتخلق بأخلاق الإسلام في آداب الوفاء، وأن يحسن القضاء، فقد قال- صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح الجامع:( إن خيار عباد الله الموفون المطيبون،) يعني المؤدون للحقوق المطهرون من تبعاتها، وفي صحيح ابن ماجة من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-، قال- صلى الله عليه وسلم-: (إن خيركم أو من خيركم أفضلكم قضاء)، لذلك كان- صلى الله عليه وسلم- إذا استقرض من أحد رد له سلفه، ودعا له، وربما زاده، ففي سنن النسائي وابن ماجة من حديث عبدالله بن أبي ربيعة- رضي الله عنه- قال: استقرض مني النبي- صلى الله عليه وسلم- أربعين ألفاً، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال: بارك الله في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء، وعند أبي داود من حديث جابر- رضي الله عنهما- ، قال: كان لي على النبي- صلى الله عليه وسلم- دين فقضاني وزادني، وفي حديث ذلك الأعرابي الذي استقرض منه- صلى الله عليه وسلم- جملاً، فلما أراد الأعرابي أن يتقاضاه كأنه أغلظ على رسول الله، فهم به الصحابة فقال: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالاً)، فلم يجد الصحابة له سناً مثل سنه، لم يجدوا إلا سناً فوقها، فقال: اعطوه فقال الأعرابي: أوفيتني وفاك الله، فقال- صلى الله عليه وسلم-:( إن خيركم أحسنكم قضاء)، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما-: (من مشى إلى رجل بحقه ليقضيه كتب له بكل خطوة حسنة).
لذا أيضاً على المسلمين إذا احتاج أحدهم إلى الدين، واستقرض من إخوانه أن يكون ناوي الأداء حتى يؤدي الله عنه، ويعينه على ذلك، ثم إذا أوفى إخوانه يدعو لهم، ويشكر لهم صنيعهم، ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا، أن بعض الناس لا يسدد ما اقترضه من صندوق التنمية العقاري، فليعلم، أن هذا دين على المقترض كغيره من الديون، يجب عليه سداده، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك، وليكن قدوته في ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث قال:( إنما جزاء السلف الحمد والوفاء)، فالحمد يكون بحمد المقترض للمقرض، والوفاء بأداء الذي عليه، والدولة- وفقها الله- لما أقرضت المواطن سهلت عليه الدفع غاية التسهيل، وعلى مدة طويلة، بل ووضعت عنه بعض القرض، فليس جزاء الإحسان إلا الإحسان.
الإقراض تفريج كربة
من جانبه يؤكد الشيخ رضوان بن عبدالكريم المشيقح رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببريدة أن الدين الإسلامي الحنيف يحث على الإحسان ومساعدة الآخرين، كما يرى خاصة لمن أفاض الله عليه مالاً، وأن الإقراض سمة من سمات هذ الدين، وأن إقراض الأخ لأخيه قد يكون فيه تفريج كربه، وأن الأجر والجزاء فيمن فرج كربة عن أخيه المسلم من الله عظيم، ومع هذا لابد من زرع الثقة لدى الآخرين من الوفاء بالوعد، والوفاء بالعهد، حيث إن احترام العقود شعيرة من شعائر الدين، والخلق النبيل، ومن أخلاق أهل المروءة والدين.
ولأهمية المعاملة بالحسنى أثنى الله على الموفين بعقودهم وعهودهم، ووعدهم بجنات عدن، ولذا كان الوفاء وصدق الوعد واحداً من أخلاق الأنبياء- عليهم السلام-، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا} والوفاء جزء من الإيمان، فقد جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:( إن حسن العهد من الإيمان)، وقد التزم المؤمنون الصادقون الوفاء بالوعود حتى في حالة الاختصار، فقد ورد أن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما- حين حضرته الوفاة قال: إنه خطب إلي ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق أشهدكم أني قد زوجته ابنتي، وهو بذلك يشير على حديث (ثلاث من كن فيه فهو منافق) وجاء في كلام العرب من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرته عدالته ووجبت إخوته.
ينتقد الشيخ المشيقح بعض الممارسات الخاطئة من بعض الناس، والتي تبدأ من نقض العهود، وما يترتب عليها من الخسران، واللعنة وسوء الدار، بل إن هناك بعض من يمارس الغدر والمماطلة ونقض العهود على أنها نوع من الحنكة والدعاء والألمعية والشطارة، كما تجد جاهلاً يحسب أن الدين علاقة بين العبد وربه فحسب، فتراه يقيم الفرائض وربما أتبعها النوافل، لكنه لا يقيم وزنا للتعامل مع عباد الله، لا يرعى حقوقهم، ولا يؤدي لهم واجباتهم يعتدي على حق هذا، ويماطل في آخر، ويشتم ثالثاً ويضرب رابعاً، فالحلال ما حل بيده، والحرام عنده ما عجز عن الحصول عليه ذلك صنف حكم عليهم بالإفلاس، وسماهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالمفلسين كما جاء في حديث (أتدرون من المفلس؟).
ويشير الشيخ المشيقح إلى أن من الأمور الضارة تساهل كثير من الناس في الديون والقروض أياً كانت هذه، ما دامت مباحة، فتراهم يتسامحون في الاستدانة والاستقراض ويتساهلون في الأداء والوفاء، وقد جاءت نصوص الشريعة محذرة من التلاعب والتهاون بحقوق بحقوق الغير، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)، وعن صهيب الخير عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (أيما رجل تدين ديناً، وهو مجمع ألا يوفيه لقي الله سارقاً).. في حين أن خلو الذمة من الدين سبب من أسباب دخول الجنة، فقد ورد عن ثوبان عن رسول الله- عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة من الكبر والغلو والدين)، ومن أين للإنسان الوفاء إذا فارقت الروح الجسد، وهو مصر على المماطلة وحبس حقوق الآخرين، وهل يرضى أن يكون القضاء من الحسنات في وقت هو أشد ما يكون حاجة إليها؟ ويكفي في عظم الدين أن رسول الهدى والرحمة كان لا يصلي على من مات وعليه دين لم يترك له قضاء، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يقول:( إذا توفي المؤمن في عهد رسول الله وعليه الدين فيسأل هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن قالوا نعم، صلى عليه، وإن قالوا لا قال صلوا على صاحبكم).
المحاكم والقروض والمماطلة:
ويقول المشيقح: إن كثيراً من القضايا المنظورة الآن في المحاكم هي قضايا المداينات والمماطلة في التسديد والتساهل في تحميل الذمة بالدين مع النية المبيتة على عدم التسديد، وهو أمر مؤسف، وظاهرة تفشت في المجتمع بسبب غياب الوعي الصحيح لعظم أمر الدين، والإنسان إذا توفي، وعليه دين فهو مرهون بدينه، ولا يفك أسره حتى يقضي دينه، وقد جاء الوعيد الشديد عمن استدان، وهو لا ينوي الوفاء، بل جاء في بعض الروايات أنه السارق الجريء، ثم إن التساهل في الدين قد يكون سبباً لخلق كثير من المشاكل على المدين، وقد يتعرض للمساءلة والمحاكمة، وقد يصل به الحال إلى السجن، وهذا كله بسبب التساهل في تحميل الذمة بالديون.
ويطرح المشيقح صوراً من صور المماطلة في حقوق العامل المستقدم، رغم أن الإسلام يأمر بحسن التعامل معه، والرفق به وعدم تكليفه ما لا يطيق، ومراعاة مشاعره، وإعطائه حقه، قبل أن يجف عرقه، والوضوح معه في نوع العمل ومقدار الأجرة، وعدم التلبيس عليه، أو المماطلة في حقوقه،( فأعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، كما أمر المصطفى في الحديث الحسن الذي أخرجه ابن ماجة وأبو يعل والطبراني، وإياكم أن تستوفوا منهم عملهم، ولا توفوهم أجرهم، فالله خصمكم يوم القيامة، وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:(ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً واستوفى منه العمل ولم يوفه أجره)، وعلى المسلم أن يعلم أن في مماطلته دفع الحقوق وبخسها إساءة للإسلام من حيث يشعر أو لا يشعر، فيتصور الجهلة أن هذه الأخلاق أخلاق الإسلام، وأن تلك سمات المسلمين، والواقع أنه خطأ البعض، والإسلام منه براء، وليس كل المستقدمين يدرك هذا؟ ولربما كان هذا السلوك حجر عثرة في سبيل اعتناقه للإسلام إن كان كافراً، وفي المقابل نجد بعض المكفولين يهتدون للإسلام لحسن أخلاق كفلائهم معهم.
ويحذر الشيخ المشيقح كل مسلم أن تقع الفتنة في الدين على يديه، ولا سيما مع نوعية من العمالة قد لا تفهم الإسلام إلا من خلال سلوكيات المسلمين بشكل عام، وسلوكيات الكفيل على الخصوص، ويتساءل، فهل نقدر هذه المسؤولية حق قدرها؟ وهل نرعى الأمانة التي استرعانا الله إياها فيعود هؤلاء الوافدون إلى بلادهم، وقد انشرحت صدورهم للإسلام؟ ويأخذون على عاتقهم دعوة بني قومهم لهذا الدين، ويعود الاستقدام فرصة لتأليف المسلمين، وتعارفهم ودعوة غير المسلمين للإسلام.
صعوبات في استرداد الحقوق
وعندما يجور شخص على شخص آخر، فلا يجد هذا الآخر من ينصفه من هذا الظلم- من بعد الله- سوى الرفع إلى الجهات القضائية، ومحاكم الدولة التي يلجأ إليها ليسترد حقه المسلوب، وبعد سنوات من الصبر الطويل يقضيها بين هذه المحاكم ينفق كل ما يملكه في سبيل استرداد حقه الذي يعوضه عن كل شيء يبذله لأجل ذلك، فيصبر ويصبر حتى يحصل على حكم المحكمة الذي يؤكد أنه صاحب الحق فيما سلب منه، ويطير فرحا،ً ولكنه عندما يتوجه لتنفيذ الحكم يصطدم بالواقع الأليم، والحقيقة الغائبة، وهي أن تنفيذ الحكم أصعب من الحصول عليه، وأن العقبات لا نهاية لها.
كذلك هناك من يمارس الغدر والمماطلة، ونقض العهود على أنها نوع من الحنكة والدهاء والألمعية والشطارة؟ نتيجة أن صاحب الدعوى قد يقطع أشواطاً طويلة في المحاكم قد يستغرق سنوات ليحصل على حكم محكمة ثم استئناف ومن الممكن أن يحصل المدعي على الحكم، ويصبح صاحب حق أكيد فيه والدولة والقضاء يعترفان بأنه صاحب هذا الحق، ولكن عندما يتوجه لتنفيذ هذا الحكم يفاجأ بأن الخصم قدم إشكالاً، وبمجرد رفع هذا الإشكال يوقف التنفيذ إلى أن يوم الفصل فيه، وقد يكون الخصم صاحب حق فيجب إعطاؤه الفرصة لإثبات حقه، ولكن الحقيقة تتمثل في المماطلين بحقوق الناس، والخصوم المعروفين بسوء النية، والتحايل، والمماطلة بهدف تعطيل وعرقلة التنفيذ أو كسب الوقت، فالوقت بالنسبة للأموال مثلاً له قيمة كبيرة، وهذه هي مشكلة التنفيذ الكبرى فعلينا جميعاً أن نتحرز من الدين، وأن نسلم ذممنا في الحياة قبل الممات، وإذا استدنا واستقرضنا بالحسنى، ومن أي جهة كانت أن نرد الدين أو القرض بالحسنى، وأن نؤدي للناس الذي نرغب أن يؤدوه إلينا، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فكثيراً ما يكون الإنسان سبباً لقطع الإحسان عن غيره بسبب سوء سلوكه ومماطلته، بل ومن أدب الإسلام أن تدعو لمن أقرضك، ولست خيراً من محمد- صلى الله عليه وسلم- وقد استلف من رجل سلفاً يوم حنين، فلما قضاه قال له: (بارك الله لك في أهلك ومالك إنما جزاء السلف الوفاء والحمد)، فهل نتمثل هذه الأخلاق في حياتنا ومعاملاتنا، ونتخذه قدوة لنا في أمورنا كلها {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} ولا يظن الظالم إذا طالت أيامه، وحصل مرامه أنه في أمنة من العقوبة، بل ذلك الإمهال لتستكمل الأعمال وتسنفد الآجال،قال - صلى الله عليه وسلم-: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكم في قصص الغابرين، وما أحله الله بالظالمين المعاصرين من جليل العبر، وبليغ المواعظ لمن ادكر.
ومن الظلم ظلم الناس يمنع حقوقهم أو بخسها والمماطلة فيها، أو التعدي عليهم في أموالهم، فكل ذلك ظلم محرم، ومما يترتب عليه عظيم المآثم، فقد عد العلماء مماطلة الغني في السداد من الكبائر التي يعاقب الله عليها، وثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تعالى قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً فلا تظالموا).
روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال له ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال كفى بالله، قال: فائتني بالكفيل، فقال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمى، فخرج في البحر فقضىحاجته، ثم التمس مركباً يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركباً فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها، أي أغلقه، ثم أتى بها إلى البحر فقال: الله إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار، فسألني كفيلاً فقلت كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً، فقلت كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه بالذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه فأتي بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهداً في طلب مركب لآتيك بالمال، فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت قد بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشداً.
ويطالب المشيقح المسلم بعدم البخل على نفسه بالأجر، وإن احتاج الأمر منه إلى مجاهدة، وذلك بأن ينظر المعسر، ويقيل المستقيل، وييسر على الموسر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن حذيفة قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: إن رجلاً ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه فقال: هل عملت من خير؟ قال ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئاً غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر فأدخله الله الجنة، وفي فضل الإقالة والتفريج على من ندم على اتفاق أبرمه، ورغب بالحسنى إقالته، فقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة- رضي الله عنه-، أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (من أقال مسلماً أقال الله عثرته).
أسباب المشكلة
وتوجز الأستاذة هلا الحميداني المشرفة المركزية بالإدارة العامة لتوجيه وإرشاد الطالبات بالرياض مشكلة الاقتراض عموماً في أنها إشغال للذمة بحقوق الغير، فحين يطلب أحد مبلغاً من المال ويعطي من قبل شخص حقيقي أو اعتباري ما طلبه، فقد أشغل ذمته بواجب الرد، ولا ضير في هذا لكن المشكلة أن الاقتراض لم يعد، كما كان في السابق لسد الحاجة وترقيع الحال، وإنما تعداه إلى كثير من مظاهر الترف واقتناء الكماليات، والإسراف غير المبرر، سوى بالغرور الشخصي والرغبة في إدهاش الآخرين وإبهارهم.
وتضيف هلا الحميداني: ويمكن تلخيص أسباب المشكلة في عدم الوعي الديني، ومعرفة خطر تضييع حقوق الآخرين، وخطر إشغال الذمة بحقوق الغير، وهي بغنى عن ذلك النهار وهم الليل، اللذان يركبان صاحبها إذا اقترض، بل إن الشهيد الذي يقتل في سبيل الله تعالى مقبلاً غير مدبر، يغفر له ذنوبه كلها إلا الدين يضاف لذلك جهل المقترض بواقع حاله أو تجاهله لهذا الحال، فهو يعرف مداخله ومخارجه المادية، لكنه لا يبالي بتراكم الحقوق في ذمته، وإلا كيف يطلب إنسان ما قرضاً أو سلفة، وهو يعلم مسبقاً أنه لا يستطيع سدادها بإمكاناته الحالية.
ومن الأسباب المهمة في حدوث هذه المشكلة قلة الصبر، وكثير من الضائقات المالية يمكن تجاوزها بالصبر والحكمة والتدبير والوعي بأن الدنيا يمكن الاكتفاء فيها بالقليل.
وعلاج هذه المشكلة كما تقول الأستاذة هلا الحميداني: يكون أولاً بعدم الاغترار بالدنيا، فلو أن مسافراً في باخرة أنفق كل ماله على تزيين غرفته الخاصة في الباخرة بأفخر الأثاث والتحف، ماذا نسميه إلا أحمق؟ وكان خيراً له أن يتزود بخير زاد، وهو التقوى، ومما يساهم في الحد من هذه المشكلة الخوف من دعاء الناس على من يماطلهم في حقهم وهو يملكه، فمطل الغني ظلم.. كذلك معرفة أنه قد تغفر ذنوب العبد إلا الدين، ففي هذ ما يلجم النفس السوية عن تعاطي القروض والاستهانة بها.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved